الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزيرة – 6/6

د. محمود عباس

 

ما يجري اليوم في جزيرتنا الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في القراءة، بل تفكيكٌ منهجيّ يبدأ من العائلة، يمرّ بالعشيرة، وينتهي عند إنكار الأمة ذاتها.

هذا النص لا يُكتب بوصفه مقالة رأي، بل يُصاغ كإنذارٍ أخير، قبل أن تتحوّل الجزيرة إلى سردية عروبية جديدة، مكتوبة هذه المرّة بالحبر الكوردي نفسه، وبأقلام تدّعي البراءة وهي تمارس أخطر أشكال الهدم من الداخل.

فالمساس بالعائلة، والطعن في العشيرة اليوم، ليسا سجالًا اجتماعيًا عابرًا ولا اجتهادًا ثقافيًا بريئًا، بل خطوات محسوبة في مسار واحد، غايته النهائية شطب الجزيرة من كوردستان، تدريجيًا، وبأدوات تبدو في ظاهرها عقلانية أو نقدية، لكنها في جوهرها أدوات اقتلاع وتفريغ.

ما يجري ليس خطأً معرفيًا، ولا زلّة في قراءة التاريخ، بل تخطيطٌ سياسيّ واعٍ، يستهدف تفكيك البنية الكوردية من داخلها، وتجريد الجزيرة من بعدها الكوردستاني، تمهيدًا لإعادة إنتاج المقولة البعثية القديمة بثوب معاصر، الكورد مهاجرون، وجودهم طارئ، وحقوقهم لا تتجاوز حدود المواطنة الشكلية، ولا ترقى إلى مستوى الحقوق القومية.

هي المقولة ذاتها التي فشل البعث في فرضها بالقوة على مدى عقود، لكنها عادت اليوم بأدوات أكثر نعومة وأشد فتكًا، منشورات فيسبوك، مقالات انتقائية، إحالات مبتورة، ومراجع مُحرَّفة، يجري تداولها وتلميعها، عن جهلٍ أو عن وعي، من داخل البيت الكوردي نفسه، في أخطر أشكال الاختراق الثقافي والسياسي، حيث يتحوّل الضحية إلى وسيط، ويُستدعى الكوردي ليكون شاهد زور على محو ذاته.

ولهذا تحديدًا تُستهدف هذه العشائر اليوم؛ لا لأنها ضعيفة، بل لأنها شاهد تاريخي حيّ. ولا لأن تاريخها هش، بل لأنّه دليل ماديّ قاطع على كوردستانية الجزيرة. فالمخطّط لا يعمل في الفراغ، بل ينتقي أهدافه بعناية.

قرية دوكر، أو ديرونا آغي، على سبيل المثال، التي يحاول بعضهم تصويرها كتجمّع «حديث»، ورد ذكرها في دفاتر التحرير العثمانية لسنجق ماردين – قضاء نصيبين قبل عام 1600م، ضمن القرى المكلّفة بدفع الضرائب، وهو ما يهدم جذريًا كل ادّعاء عن حداثة وجودها. ووصف الرحّالة البريطاني James Silk Buckingham عام 1816م قرية دوكر، بأنها قرية كبيرة تضم أكثر من مئة بيت، إلى جانب ذكر قرى مثل تل شعير وزورآفا، في زمنٍ لم تكن فيه القرى تُقاس بعدد المباني فقط، بل بثباتها الزراعي والاجتماعي.

كما أشار إليها الرحّالة أوليا جلبي (1611–1682) وغيره من الرحالة والباحثين، بوصفها تجمّعات حضرية مستقرة تضم عشرات البيوت، في عمق الجزيرة الكوردستانية. ولم تكن هذه المراكز الحضرية استثناءً، بل جزءًا من سلسلة استقرار كوردي ممتدة لعشائر حضرية مستقرة في غربي كوردستان، قبل موجات التعريب، وقبل هجرات العشائر العربية من منطقة حائل بعد سقوط ثورتهم أمام عنزة وآل سعود، وقبل مشاريع الإلحاق القومي القسري.

فالجزيرة لم تعرف للوجود العربي موطئ قدمٍ مستقر قبل عام 1885، أي مع بدايات الهجرات من منطقة حائل، التي امتدت حتى عام 1910، نهاية الصراع مع قبيلة عنزة. ولم يجتَز نهر الفرات أيّ من تلك العشائر قبل تلك المرحلة. وما يُقال عن وجود قبيلة طي في الجزيرة وحول ماردين ليس سوى تلفيق تاريخي وتزويرٍ للحقائق، دعّمته صفحات مليئة بالأرشيف المفبرك والصور المصنوعة والوثائق المزورة.

الأخطر في هذا المخطط ليس التزوير بحد ذاته، بل خلق النعرات، بين العشائر الكوردية من جهة، وبين العشائر الكوردية والعربية من جهة أخرى. فالصراع الاجتماعي هو المدخل، وتشويه تاريخ الجزيرة الكوردستانية هو الهدف. ولم تعد القوى المتربّصة تكتفي بالعمل عبر خصوم معلنين كما في السابق، بل باتت تُجنّد بعض السذّج من الداخل الكوردي. وهنا تكمن الكارثة، حين يتحوّل الجهل إلى وظيفة، والنرجسية إلى أداة، والعشيرة إلى خنجر في خاصرة الأمة.

هذه ليست معركة تاريخ، بل معركة وعي. ومن لا يدرك خطورة ما يجري الآن، سيستيقظ لاحقًا ليجد أنّ الطعن في العشيرة كان المقدّمة، وأنّ الطعن في كوردستان كان الخاتمة.

نكتب هذا الكلام لا دفاعًا عن عشيرة، ولا ردًّا على صفحة عابرة، بل دفاعًا عن الذاكرة الكوردية في وجه أخطر محاولات اغتيالها.

فمن يعبث بتاريخ العشائر الكوردية اليوم، لا يمارس رأيًا ولا بحثًا، بل يؤدي وظيفة سياسية قذرة في مشروعٍ قديم–جديد لتقويض الوجود الكوردي من الداخل.

الطعن في العائلة هو البروفة الأولى للطعن في الأمة، وتشويه القرية هو المدخل لإنكار كوردستان، وإحياء “العشيرة ضد العشيرة” ليس حنينًا، بل سلاحًا.

نقولها بلا مواربة:

من يشارك في هذا المسار، بوعي أو بجهل، فهو شريك في مشروع إنكار الوجود الكوردي، وسيُحاسَب تاريخيًا، ولو صمت الحاضر، هذه ليست معركة تاريخ، بل معركة وعي، ومن لا يرى الخطر الآن، سيقرأه لاحقًا في نتائج لا رجعة فيها.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

14/12/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…