الانتخابات الصورية والمناظرات الاستعراضية: وجهان لعملة واحدة

نظام مير محمدي* 
في النظام اللاشرعي والقسري لولاية الفقيه الذي أُسس بسرقة حق السيادة من الشعب، إن إجراء الانتخابات ليس سوى عرض باهت وخالٍ من الحياة للتظاهر بالامتثال لمتطلبات السياسة في عصر الوعي. الانتخابات، ومناظراتها بالتبعية، ليست سوى مسرحيات هزلية تشبه كل شيء إلا الانتخابات والمناظرات. المرشحون الستة الذين اجتازوا مرشحات عديدة جميعهم يؤدون نفس الدور، لأنهم جميعاً “ملتزمون قلبياً وعملياً بولاية الفقيه” ويتابعون نهج إبراهيم رئيسي الذي لقي حتفه. هل فعلاً يمكن تسمية هذه العملية بالانتخابات والمناظرات؟
تحولت المناظرات الانتخابية الأخيرة في إيران، التي كان من المفترض أن تكون ساحة للتنافس بين المرشحين للرئاسة، إلى عرض هزلي ومهزلة مشينة للنظام. المناظرات التي شارك فيها ستة مرشحين تمت تصفيتهم بشدة، بدت أشبه بعرض كوميدي أكثر من كونها نقاشًا سياسيًا جادًا. في ظل مواجهة إيران لأزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، تظهر هذه المناظرات الانتخابية الفجوة العميقة بين النظام والشعب.
وسائل الإعلام الداخلية في إيران، التي عادة ما تكون حذرة في انتقاد البرامج الرسمية، لم تستطع هذه المرة إخفاء خيبة أملها. فقد كتبت صحيفة “مستقل أونلاين” الحكومية في 18 يونيو: “حتى الآن، نجحت المناظرات في إبعاد جزء كبير من الناخبين المترددين عن المشاركة في الانتخابات”! هذا التعليق يظهر بوضوح أن حتى وسائل الإعلام الداخلية تعترف بعدم جدوى هذه المناظرات الانتخابية.
كما كتبت صحيفة “فرهيختكان”، التابعة لعلي أكبر ولايتي مستشار الشؤون الدولية لخامنئي، في تقرير نقدي: “المناقشات المتكررة للمرشحين التي ظهرت في الجلسات الاقتصادية لن تساهم في زيادة المشاركة.” هذا النقطة تظهر بوضوح أن المرشحين لم يقدموا أي برنامج جديد، بل حتى فشلوا في تكرار الوعود السابقة بشكل فعال.
صحيفة “سازندكي” تناولت بسخرية خاصة كيفية تنظيم المناظرة الأولى وكتبت: “تم تصميم هذه المناظرة بحيث كان المذيعون الثلاثة يتحدثون باستمرار مما أجل الحدث الرئيسي.” هذا النقد يظهر أن حتى من الناحية التنفيذية، فشل منظمو المناظرة في تقديم برنامج منظم واحترافي.
في المناظرة الأولى التي كان من المفترض أن تكون حول الاقتصاد، لم يقدم المرشحون سوى تكرار عموميات دون أي برنامج محدد لتحسين الوضع الاقتصادي. هذا الأمر يكشف عن واقعين مريرين: الأول هو أنه في نظام فاسد، لا يوجد برنامج سوى نهب الشعب. الثاني هو أن زعيم النظام، علي خامنئي، يتحكم بالمرشحين للرئاسة لدرجة أنهم لا يجرؤون على قول كلمة واحدة خارج الإطار المحدد.
حذر خامنئي مرارًا وتكرارًا لاعبي “سيرك الانتخابات” من “الاتهامات والإساءة والتشهير” ضد بعضهم البعض وخاصة ضد الحكومة. السبب في هذه التحذيرات واضح للغاية؛ بعد فشل حكومة إبراهيم رئيسي وفي ظل الأزمات المتزايدة، النظام أضعف وأهش من أي وقت مضى ويخشى أن تؤدي هذه العروض إلى إحداث شقاق وفقدان السيطرة على الأوضاع.
بالرغم من جميع التدابير الرقابية، حتى في هذه “المناظرة” المزعومة، تسربت بعض قطرات من أزمات النظام الداخلية والوضع المتفجر الحالي إلى الخارج. قال أميرحسين قاضي‌زاده هاشمي، أحد المرشحين للرئاسة: “مرة أخرى سمعنا عموميات، كلاماً تكرر من قبل… وعملياً خلق لنا عقداً من الاقتصاد السلبي.” هذا الاعتراف يظهر أن حتى المرشحين أنفسهم يعترفون بعدم فعالية السياسات الاقتصادية للنظام.
محمدباقر قاليباف، مرشح آخر، قال بلهجة مقلقة: “كل مفكرينا وخبراؤنا في حيرة؛ ثم نتعجب لماذا يهاجر أساتذتنا؟!” هذا التصريح يظهر بوضوح أن هجرة العقول واليأس بين النخبة أصبحا أزمة خطيرة للنظام.
مسعود بزشكيان، مرشح آخر، مدعوم من جناح الإصلاحيين في النظام، أشار بصراحة أكبر إلى عدم فعالية النظام على مدار أربعين عاماً قائلاً: “٤٠ عاماً نقول سنصلح الأمور! لكن يوماً بعد يوم تقل قيمة أموالنا وتقل القوة الشرائية للشعب. تقولون إنكم تعطون المال، ولكن عندما تريدون طباعة النقود، فإن الديون تجعل الأموال بلا قيمة. من أين ستحضرون المال؟” هذه الكلمات توضح أنه حتى داخل النظام، لا يوجد أمل في تحسين الأوضاع الاقتصادية.
عليرضا زاكاني، رئيس بلدية طهران الحالي ومرشح آخر للرئاسة، رد على تصريحات بزشكيان قائلاً: “السيد بزشكيان قدم عموميات وربط بين كل الأمور، وفي النهاية لم تظهر النتيجة! اندهشت كيف أصبح مرشحاً للرئاسة؟!” هذا الرد يظهر أن هناك خلافات وتوترات جدية حتى بين المرشحين أنفسهم.
رد بزشكيان، كاشفاً عن السرقات الكبيرة بالمليارات التي قام بها زاكاني في بلدية طهران، قائلاً: “السيد زاكاني، إذا تكرمتم ووضحتم عقدكم مع الصين، وقولوا لنا هل أموالها من البنك المركزي الإيراني في الصين أم من المصادر الصينية؟” هذه الإفصاحات تظهر مدى تغلغل الفساد في هيكل النظام الحاكم تحت ولاية الفقيه.
 
الخلاصة والكلمة الأخيرة
النتيجة أن ما تم تقديمه تحت عنوان مناظرة لم ينجح في جذب انتباه الناس للمشاركة في الانتخابات. تشير التقارير إلى أن الناس لم يلتفتوا لهذه العروض الهزلية، والعديد من الناس لم يكونوا يعلمون حتى أن مثل هذه المناظرة كانت تُجرى. لدرجة أن قناة تلغرام للحرس الثوري الإيراني (IRGC) اعترفت بهذه الحقيقة وكتبت: “يمكن اعتبار المناظرة الأولى أنها المناظرة الأخيرة. يمكن أن نخمن أن التأثير الأكيد لهذه المناظرة هو أن المناظرات التالية ستكون حتماً أقل مشاهدة!”
المناظرات الشكلية لم تستطع فقط أن تجذب ثقة الناس، بل كشفت بشكل أكبر عن طبيعة النظام غير الديمقراطية وغير الفعّالة. في ظل مواجهة إيران لأزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، تظهر هذه الانتخابات الشكلية الفجوة العميقة بين النظام والشعب. الحقيقة هي أن النظام الإيراني يعاني من أزمة شرعية، والمناظرات الشكلية والتمثيلية لا تساعد في تحسين الأوضاع بل تزيد من عمق الأزمة وتكشفها بشكل أكبر.
يمكن رؤية شدة الأزمة الداخلية والخوف الذي يعيشه خامنئي في كلماته. في حديثه القصير، ذكر كلمة “العدو” سبع مرات وقال: “… لا ينبغي على أي مرشح أن يقول شيئاً لتفوق على خصمه يفرح العدو، لا ينبغي أن تُقال كلمات تفرح العدو… يجب أن تكون الكلمات التي تُقال كلمات لا تُفرح العدو، لا تفرح أعداء البلد، لا تفرح أعداء النظام، لا تفرح أعداء الشعب… يجب أن يتحدثوا بطريقة لا تفرح العدو!”
“العدو” الذي يشير إليه خامنئي بالاستعارة هو مجاهدي خلق وأنصارهم الذين سيعبرون عن مطالبهم في التجمع الكبير للإيرانيين في 29 يونيو(حزيران) في برلين بألمانيا. مطلبهم هو الإطاحة بكامل هذا النظام بكل أجنحته.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو   ​تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لكونفرانس قامشلي، وهو الموعد الذي استبشر فيه الشارع الكردي خيراً. ولكن، وبنظرة فاحصة، نجد أننا أمام تكرار لسيناريوهات الفشل السابقة. ​1. متلازمة “القرار المختطف”: إن السبب الجوهري وراء فشل اتفاقيات (هولير، دهوك، وقامشلي) لا يكمن في التفاصيل الفنية، بل في كون الأطراف المتفاوضة لا تملك سيادة قرارها. إن الارتهان لأجندات القوى الإقليمية…

حسن قاسم بذلت قوى المجتمع المدني الكوردستاني جهوداً كبيرة لتقريب المواقف بين أطراف الحركة السياسية الكوردية في سوريا، تُوّجت بـ كونفرنس 26 نيسان 2025 الذي أعاد الأمل لجماهير أنهكها الانقسام. يومها، تم التأكيد على وحدة الخطاب السياسي وانتُخبت لجنة لتنفيذ الاتفاق، فعمّ التفاؤل. لكن بعد عام، تبيّن أن اللجنة وُلدت ميتة: لا مشاريع، لا نشاط، لا تحرك دبلوماسي. تكررت خيبة…

مسلم شيخ حسن – كوباني شكل انعقاد الكونفرانس الكردي في السادس والعشرين من نيسان 2025 في مدينة القامشلي محطة سياسية بارزة، انعقدت عليها آمال واسعة لدى الشارع الكردي في سوريا، مدعومة بغطاء كردستاني لافت عكس إدراكاً جماعياً لأهمية اللحظة. وقد أفرز هذا الحدث جملة من المخرجات السياسية، على الصعيدين الوطني والكردي، بدت في ظاهرها متقدمة ومنسجمة مع تطلعات السوريين عموماً…

عبد اللطيف محمد امين موسى تتمثل الحاجة الى ضرورة البحث عن الاولوية في الانطلاق الى صياغة خارطة تعتمد على الحاجة الى اعادة هيكلية اولويات العمل السياسي الكوردي في سوريا، ولابد ان تكون عملية تأهيل وبناء الفرد الاستراتيجية الاساسية فيها، لما يشكل الفرد العامل الاساسي والقوة الحقيقية والشرعية في اي محطة لممارسة النضال السياسي ضمن الاطر العامة للتنظيمات والاحزاب السياسية. تكمن…