سبحان من وهب العقول للبشر وحرَّمها على الدواب والبقر ؟

جمال الدين حمي 
على الرغم من أن إسرائيل دولة قوية وقائمة ومستقلة ومعترف بها من قبل معظم دول العالم، وتتلقى كل أشكال الدعم من الدول الغربية ولديها مطارات دولية مستقلة وموانئ بحرية تمنحها استقلالية تامة للتبادل التجاري والصناعي مع دول العالم كله، آلا إنها وبالرغم من كل هذا، تسعى إلى التطبيع مع جيرانها العرب واقامة علاقات ديبلوماسية معها، وهي محقة في ذلك من منظور الحريص على تأمين مصالح شعبه وعلى تأمين أمنه واستقراره، لأنه لايمكن لإسرائيل ولا لأي دولة أخرى مهما بلغت قوتها، أن تعيش بسلام وآمان واستقرار في محيط معادٍ لها .
إما إقليم كوردستان، فهو مجرد إقليم تابع للدولة العراقية وليس دولة مستقلة، ولايوجد عنده أية حدود أو منافذ بحرية ولا موانئ بحرية يمكن لها أن تمنحه استقلالية من أجل الإستيراد والتصدير والتبادل التجاري والتواصل مع دول العالم الخارجي، وكل منافذه الحدودية البرية متصلة مع العراق وسوريا وتركيا وإيران .
وبالتالي فحكومة الإقليم مجبرة على اقامة علاقات ديبلوماسية وتجارية واقتصادية مع جيرانها وعلى مبدأ مكرهًا أخاك لا بطل، لأن حكومة الإقليم مسؤولة عن نحو 8 مليون إنسان كوردي يعيشون في الإقليم، وهم بحاجة إلى أن توفر لهم الحكومة كل سبل وأسباب الأمن والآمان والسلام والإستقرار و العيش الكريم من إقامة علاقات ديبلوماسية وودية مع دول الجوار وتأمين احتياجاتهم الضرورية إلى مواد وسلع غذائية إستهلاكية وبضائع ومنتوجات ومصنوعات أخرى لاينتجها الإقليم ونحو ذلك، وكبريات الدول تعتمد على الإستيراد فكيف نلوم إقليم كوردستان لأنه يقيم علاقات ديبلوماسية وتجارية مع جيرانه مثل تركيا وإيران وغيرهما !
لايمكن لشعب إقليم كوردستان أن يعيش بأمن وآمان وأن ينعم بالسلام والإستقرار في محيط معادٍ لهم، ومن ينتقدون زيارة الرئيس التركي أردوغان إلى إقليم كوردستان والإستقبال الكبير الذي لقيه من قبل رؤوساء الإقليم، فنحن نعلم إلى أي تيار سياسي ينتمون، فهم أتباع تنظيم PKK وهم يريدون تخريب إقليم كوردستان والتسبب في تدميره وتهجير أهله كما فعلوا ويفعلون في شمال كوردستان وفي قرى كثيرة في شمال الإقليم وفي غرب كوردستان، مثل عفرين وتل أبيض ورأس العين وغيرها، فهذه هي مهمتهم الأساس، وهذه هي وظيفتهم منذ عقود من الزمن، و وجودهم في حياة الكورد هو فقط للتخريب والتدمير والتهجير ولبناء عشرات الآلاف من القبور لدفن شباب الكورد فيها .
ولن يهنأ هؤلاء بعيش ما لم يحولوا إقليم كوردستان أيضًا إلى نسخة ثانية من غرب كوردستان، خرابٌ ودمارٌ وتهجير واحتلال، وذلك من شدة حقدهم لنجاح قيادات الإقليم بالنهوض بالإقليم حكومة وشعبًا ليصبح الإقليم النسخة الثانية من الإمارات العربية المتحدة .
وتركيا دولة قوية اقتصاديًا وعسكريًا وصناعيًا ولايمكن معاداتها ومواجهتها عسكريًا ولا اقتصاديًا، ومع هذا فهي تعمل على عقد اتفاقيات وصفقات مع إقليم كوردستان وبقية دول المنطقة و العالم من أجل تصدير بضائعها ومنتوجاتها، فإذا كان للإقليم مصلحة في الإستيراد من تركيا، فلتركيا أيضًا مصلحة في تصدير بضائعها إلى الإقليم، والعلاقات بين الدول تبنى على المصالح وليس على الأهواء والأمزجة، وقيادات الإقليم يتعاطون مع دول الجوار ودول العالم بمنطق وعقلية الدولة وليس بمنطق العصابات والمافيات كما يفعل تنظيم PKK، وأن يدخل الرئيس التركي إلى الإقليم كضيف وزائر، أليس هذا أفضل من أن يدخلها كغازي ومحتل كما فعل في عفرين حينما جاء برفقته المطرب التركي إبراهيم تاتليس ؟
وأن يقوم رؤوساء الإقليم على تقليم آظافر تركيا وتصفير المشاكل معها ومحاباتها اتقاءً لشرها ولعدوانيتها، أليس هذا أفضل بكثير من الجعجعة والعنتريات الفارغة ومن الحماقات والتهور التي رأينا نتائجها الكارثية في عفرين وغيرها من قبل تنظيم PKK ومؤيديه ؟
وأن يقف الرئيس التركي تحت ظل علم كوردستان بإحترام، أليس هذا أفضل من أن يُمزق الجيش التركي علم كوردستان بعد غزو الإقليم واحتلاله كما مزقوا من قبل صور أوجلان في عفرين وغيرها ؟
فماذا يريد هؤلاء الغوغاء ؟ أن تقوم قيادة الإقليم بمعاداة تركيا وإيران وغيرها واستفزازهم والدخول معهم في نزاعات وآحقاد وكراهية وقطيعة وغلق الحدود ليتضور 8 مليون كوردي في الإقليم جوعًا وأن يتحول الإقليم إلى نسخة ثانية من عفرين وتل أبيض ورأس العين فقط من أجل التضامن مع عفرين ؟ آلا يكفينا خسارة عفرين أفتريدون أن نخسر إقليم كوردستان أيضًا !!
يا لحماقتكم !!
فقط انظروا إلى مناطق مايسمى بالإدارة الذاتية الآبوجية في ما تبقى من غرب كوردستان، ستجدون بأن سكانها محرومون من أبسط مقومات العيش كالماء والكهرباء والمازوت والخبز، وغالبية الناس هناك يعيشون تحت خط الفقر، وهناك ثلاث مدن كوردية محتلة كعفرين وتل أبيض ورأس العين وغيرها، وأكثر من نصف الشعب الكوردي هناك مهجرون ونازحون يعيشون حياة البؤس والشقاء، ويعيشون في محيط معادٍ لهم، فهم إرهابيون في نظر الأتراك، وخونة وعملاء ومرتزقة في نظر السوريين نظامًا ومعارضةً، وأغلب الشعب السوري يكره القائمين على هذه الإدارة الآبوجية كوردًا وعربًا وغيرهم، فكيف سينعم ما تبقى من الشعب الكوردي هناك بالأمن والإستقرار في محيط معادٍ لهم، وكاره لهم، وحاقد عليهم، ويتربص بهم ؟ وكل هذا بسبب الجعجعة والعنتريات الفارغة والعمل كخدمدجية عند هذا وذاك وتنفيذ آجنداتهم المعادية لتطلعات الشعب الكوردي .
الحمد لله على نعمة العقل والحمد لله على نعمة الفهم .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….

كفاح محمود   لم يكن سقوط نظام الرئيس صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 نهايةً فعليةً للدكتاتورية في العراق، بقدر ما كان انهيارًا لشخص النظام ورموزه الأكثر فجاجة، فيما بقيت في العمق ذهنيةُ الإقصاء والغلبة ومصادرة الدولة لصالح فئةٍ أو حزبٍ أو جماعة، وما جرى بعد ذلك لم يؤسس، كما كان مأمولًا، لدولة مواطنة حديثة تنقض إرث الاستبداد، بل…

شادي حاجي الحيرة التي يعيشها الشعب والأحزاب والنخب الثقافية والمجتمعية الكردية اليوم ليست حالة عابرة ، بل انعكاس لأزمة أعمق بكثير من مجرد غياب “ صيغة سياسية ” جامعة . فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص المؤتمرات والاجتماعات أو الوثائق ، بل في تراكم انعدام الثقة ، وتضارب المصالح الحزبية والشخصية والارتباطات الكردستانية والاقليمية ، وتباين الرؤى حول شكل حل…