كوردستان لا تُطفئ الحرائق بالنيران!

كفاح محمود
   يتعرض شعب إقليم كوردستان وقيادته الى هجمة إعلامية مبرمجة وموجهة من الخارج عبر محطات تلفزة وصحف ووكالات خبرية ممولة من أجهزة مخابرات أجنبية تستهدف الإقليم المزدهر، الذي كشف الغطاء عن الكم الهائل من فساد الأحزاب المهيمنة على مدن البؤس الجنوبية والوسطى من البلاد، حيث تنتشر الصراعات القبلية والفساد المريع وفقدان الأمن وسيطرة الأذرع الإيرانية من الميليشيات على مقدرات البلاد، حيث أسست دولة عميقة واستحوذت من خلالها على كل مصادر المال والجباية من المعابر الحدودية والموانئ وفرض الاتاوات والضرائب على الداخل والخارج، ناهيك عن شبكات المخدرات التي تنشر سرطانها بين الشبيبة وعمليات تهريب العملة من خلال واجهات مصرفية انهكت الاقتصاد العراقي ودمرت العملة الوطنية في بلد يصدر اكثر من خمسة ملايين برميل يوميا.
   هذه الهجمة التي يتعرض لها شعب كوردستان المسالم أشاعت موجات من الأحقاد والكراهية، وشكلت خطرا كبيرا على النسيج الوطني والاجتماعي، بل وتسببت في فرض حصار اقتصادي ظالم على الإقليم بقطع حصته من الموازنة لخمس سنوات متتالية (2014- 2018) كما تم تخفيض نسبتها خارج الاتفاق المبرم من 17% الى اقل من 13%، وحرمان موظفي الإقليم من معاشاتهم لسنوات طويلة، ناهيك عن منع منتوجات الإقليم الزراعية والصناعية من الوصول الى الأسواق العراقية تارة بفرض الضرائب وتارة أخرى بالإتاوات او المنع المطلق، كما منعت حصته من الادوية والقروض الدولية ومن تعويضات ضحايا الانفال مقارنة بما خُصص لضحايا النظام السابق في الجنوب والوسط.
   ورغم أن الإقليم يتصرف بحكمة وعقلانية باعتبار هذه التصرفات والحملات الدعائية العدوانية لا تمثل رأي عامة الشعب، بل هي في غالبيتها تقتصر على مجموعات من العنصريين والطائفيين وتجار الأزمات وبدعم من خارج الحدود الذي طالما يصدر أزماته الى العراق ومكوناته، هذه الهجمة المنظمة شجعت بل وفتحت طريقا لارتكاب حماقات مبررة بالقصص المفبركة والاتهامات الباطلة والتشويهات التي تنشرها وتبثها أجهزة دعاية هذه الأحزاب او الميليشيات، حيث شهدنا جميعا هجماتهم الصاروخية وطائراتهم المسيرة، والتي يزعمون فيها انها تستهدف مقرات إسرائيلية أو قواعد أمريكية في الإقليم حسب ادعاءاتهم التي دحضتها لجان تقصي الحقائق التي أرسلها البرلمان العراقي ومستشارية الأمن الوطني.
  لقد أهمل الإقليم وحكومته كل هذه الادعاءات والهجمات بصبر وتأني، حفاظا على اللحمة الوطنية والاجتماعية والسلم الأهلي، لإدراكه بأنها لا تمثل الا أصحابها القلة الممولين من دولة اجنبية لأغراض تتعلق بمجالها الحيوي، ولا علاقة لها بالعراق وقضيته الوطنية، خاصة وان الخلافات مهما كانت معقدة مع الحكومة الاتحادية او مع الأحزاب الوطنية العراقية لا ترتقي إلى مستوى العدوانية التي تمثلها هذه الميليشيات او الأحزاب او بعض البرلمانيين لأهداف لا تخدم بالمطلق مصالح العراق العليا.
   واليوم يمرُ العراق بواحدة من أدق مراحل حياته في منطقة ملتهبة عند حافات حرب عبثية تشعل اوارها مجموعات دينية وطائفية متطرفة تحت عباءة شعارات عاطفية انفعالية نتائجها بانت في بحر من الدمار والخراب الذي تعرضت له غزة، ودفع مئات الالاف من سكانها ثمناً باهضاً لتلك العنتريات الفارغة، والأنكى من كل ذلك أن ايران ومن خلال دعمها وتمويلها لتلك المجموعات بالأسلحة والعتاد والأموال دونما توريط عسكرها في أي عملية مواجهة حقيقية مع من تدعي مقاومته، نشرت بواكير حرب في كل من اليمن وسوريا والعراق ولبنان من خلال اذرعها الميليشاوية والتي تسببت في تدمير هذه البلدان وإشاعة الفتن والخراب فيها.
   إن إقليم كوردستان المزدهر اثبت خلال أكثر من ثلاثة عقود بأنه كيان سياسي دستوري إيجابي اعتمد في علاقاته مع جيرانه على عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام خيارات جيرانه  وتبادل المصالح بكل أنواعها الاقتصادية والاستثمارية والسياسية، بما يفيد الطرفين رغم ما تتركه التدخلات العسكرية التركية والإيرانية من آثار سلبية على تلك المصالح، الا أن الإقليم يصر دائما على الحوار والحل السلمي بديلا عن العنف بين الدولتين ومعارضيهما، كما انه نجح في أن يكون واحة لكل العراقيين على مختلف مشاربهم ومكوناتهم في تعايش سلمي قل نظيره اليوم في المنطقة عموماً، ناهيك عن استقباله لأكثر من مليون نازح عراقي ولاجئ من ايران وسوريا وتركيا، حيث يشعر الجميع بالأمن والسلام تحت سيادة القانون.
  انهم يريدون اشعال المنطقة في حروب عبثية لتحقيق مجال حيوي لمشروعهم السلطوي، بينما ينشد شعب العراق عامة وكوردستان خاصة السلام والبناء لتعويض ما فاتهما من فرص ذهبية ذهبت ادراج عواصف حروب الدكتاتوريات والأنظمة الشمولية طيلة أكثر من ستين عاما، وقد اثبتت الاحداث وصفحات التاريخ انه ليست هناك عداوة بين الشعوب، بل هناك أفراد وأحزاب وأنظمة تعادي بعضها!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…