نحن الكورد انفصاليون (5)

د. محمود عباس
معاناتنا، بل مآسينا مع السلطات المتعاقبة على سوريا لا تنتهي، ولن تنتهي طالما لم تتخلص تلك السلطات من العقلية القديمة البالية. وعلى مر العقود لم تبد هذه السلطات ذرة من تطوير ذاتها نحو مواكبة عصرها، بل وفرخت شريحة مماثلة لها تسمى بالمعارضة، عاشت وما زالت تعيش بعقلية حقبة النهضة القومية في أوربا، مع كل مساوئها ولا تفتأ أن تصبها علينا بانهمار شديد. مع كل الآلام والمآسي والحرمان، التي كابدناها ونكابدها من هذه الأنظمة ما زلنا نطالب بحقوقنا بالطرق السلمية في غرب كوردستان، وضمن العيش المشترك مع من جمعنا بهم عشرات القرون. وخلال كل تلك المرحلة الطويلة وحدتنا المحن والمخاطر التي حلت بنا جميعا، وآزرنا بعضنا البعض، ولم تعكر صفو عيشنا المشترك؛ إلا الابتكارات الفكرية المستوردة الغارقة في العنصرية القومية العربية، والدخيلة علينا جميعا.
  ليس بالسهولة محو ذلك المشترك من نفوسنا ككورد في بضعة عقود من الزمن التي أذاقتنا الويلات تلك السلطات وما زالت تذيقنا مَن بذهنية القرون الوسطى، إضافة إلى جهودها الحثيثة لمحونا من الوجود على هذه الأرض بأسلوب العنف المرفق بالقتل بلا رحمة. أمثال هذه السلطات ما أفَدْن شعوبهن بشيء، والدليل على ذلك الإخفاق والفشل في محاولاتهن استرداد أراضيهن المحتلة، وهُزمن شرّ هزيمة، فجرّبن الوحدة وكان مصيرها الفشل المهين، حتى شعوبهن لم يسلمن من بطشهن، وآخر دليل على ما نقوله في حق هنّ ما حدث ويحدث في سوريا أكثر من عقد، وما زالت آلة القتل مستمرة حتى اللحظة.
سؤال يلح علينا وهو: ما سرّ قبول الشعب السوري بهذه السلطات المجرمة المبطشة بهم وبنا؟
فرض المركزية مفيد حين توطيد أركان الدولة الحديثة التكوين، وأيضا حيال القضايا المصيرية، التي تجابهها، كي لا تتقاعس إحدى مقاطعاتها عن واجبها، إذا طال أمدها دون مبرر تنقلب عكسا على محكوميها. والأسوأ عندما تكون هذه المركزية من قبل سلطة غير مختارة من الشعب (انقلاب عسكري)، حيث لا يعير الانقلابيون للشعب أية أهمية، ولا يحسبون له أي اعتبار، وكل ما يعرفونه ويحسبونه أنهم صاحب الفضل عليه، مدّعين إنقاذه! وقتما تتعارض مصالحهم مع مصالح الشعب يظهر زيف ادّعائهم، وقتها تبدأ آلة القمع والقتل بالعمل: الأقبية الأمنية والجيش المعد والمجهز بأحدث ما يمكن لا لحماية البلد من الاعتداء الخارجي؛ بل لقمع الشعب. علمنا جميعا كيف سقط جولان، ولا يحتاج هذا إلى أي شرح. كما هو بيّن مجيؤها بالضربة العسكرية على الحكم هي من أجل مكاسب شخصية، ومعلوم أيضا أن غالبية الانقلابيين من الأوساط الفقيرة فحوّلوا الشعب إلى مزرعة تدر عليهم من النعم ما هبّ ودب، عدا لذة الحكم ونعيمه.
بعد كل هذه المعاناة من الأنظمة المتعاقبة على سوريا كنا وما زلنا مفضلين العيش مع الأخوة العرب وبقية النسيج السوري، ولم يصدر منا كحراك كوردي أي تصرف يومئ بالانفصال، أو تجزئة سوريا، أو استخدام العنف بأشكاله المختلفة، مثلما فعله ويفعله النظام القومي البعثي مع الشعب؛ حين ارتفعت أصوات الجماهير السورية السلمية في العام 2011م مطالبة بالحرية لم تكن ترضيه فقابلها بالحديد والنار. وقبلها بكثير انتفاضة حماة في العام 1964م أيضا جوبهت بالمدافع والرشاشات، وأعلن حينها البعثي أمين الحافظ قائلا: سنجعل الأسياف في رقابهم، وبالفعل هدموا على رؤوسهم المساجد وكادت أن تحدث مجزرة كبيرة لأهلها، أما عن أحداث حماه الأخيرة حدث ولا حرج، وكانت إبادة بشرية حقا! لقد سوّت أحياء كاملة مع الأرض، وما يجري الآن بحق الشعب السوري تجاوز حدّ الإبادة، وهي بحاجة إلى تسمية جديدة.
نسأل الأخوة من النسيج الغالب في سوريا، ما أجرته وتجريه السلطات السورية علينا منذ الحقبة الناصرية مرورا بعهد الانفصال ومن ثم عقود البعث العربي من الحكم: هل تحركت لديكم مشاعر العطف على معاناتنا؟
رغم كل هذا نشارك معكم على قدم المساواة العمل لإزالة هذا الكابوس من على صدورنا جميعا. كان من واجب الأخوة التاريخية والدينية والوطنية أن نراكم بجانبنا مدافعين برفع الظلم الذي جرى علينا، لكن لم نلمس ذلك آنذاك، ولم يقف أحد بجانبنا بالشكل المطلوب، والغريب اتفاق المعارضة مع السلطة بشكل غير مباشر ضد متطلبات الشعب الكوردي، الفيدرالية والنظام اللامركزي. ربما يقول سائل أن الشريحة اليسارية كانت مناصرة لكم؟ لنوضح هذا التساؤل، كي يكون القارئ الكريم على بيّنة منه. صحيح أن التيار اليساري تناول معاناتنا، في غالبيتها كانت شفوية، والكتابية منها لم تكن واضحة. عند تناقشنا وإياهم هذا الموضوع معا، كانوا يطلبون منا الانتظار إلى أن تصبح سوريا ديمقراطية؟ وهو ما تبوح به اليوم شرائح من المعارضة، طبعا حسب ما فسروا لنا صيرورة سوريا ديمقراطية بأن ننتظر مجيئهم إلى سدة الحكم؟ وكلنا نعلم أن يسارية تلك الحقبة كادت أن تكون بتمامها سوفيتية، والسوفييت وقتها سخرت كل يساريها لخدمة البعث العربي الاشتراكي. والحالة هذه كيف لهم أن يأتوا إلى الحكم؟ وهو ما نراه في ذهنية أغلبية المعارضة اليوم، علما أن ادبياتهم وتعاملهم مع الأجزاء المحتلة من غرب كوردستان تبين أنهم نسخة عن السلطة.
يتبع …
الولايات المتحدة الأمريكية
11/3/2024م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….

كفاح محمود   لم يكن سقوط نظام الرئيس صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 نهايةً فعليةً للدكتاتورية في العراق، بقدر ما كان انهيارًا لشخص النظام ورموزه الأكثر فجاجة، فيما بقيت في العمق ذهنيةُ الإقصاء والغلبة ومصادرة الدولة لصالح فئةٍ أو حزبٍ أو جماعة، وما جرى بعد ذلك لم يؤسس، كما كان مأمولًا، لدولة مواطنة حديثة تنقض إرث الاستبداد، بل…

شادي حاجي الحيرة التي يعيشها الشعب والأحزاب والنخب الثقافية والمجتمعية الكردية اليوم ليست حالة عابرة ، بل انعكاس لأزمة أعمق بكثير من مجرد غياب “ صيغة سياسية ” جامعة . فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص المؤتمرات والاجتماعات أو الوثائق ، بل في تراكم انعدام الثقة ، وتضارب المصالح الحزبية والشخصية والارتباطات الكردستانية والاقليمية ، وتباين الرؤى حول شكل حل…