«فاقو آغا» والثاني عشر من آذار

صلاح بدرالدين
  كانت منطقة الجزيرة بخيراتها الوفيرة ، وعلاقات أهلها الاجتماعية التي كانت مازالت تخضع للاعراف والتقاليد المفعمة بالروح الإنسانية ، تلك السمات الخيرة التي توارثوها أبا عن جد ومن ضمنها استقبال وتكريم الضيوف ، واتذكر ان المنطقة استقبلت في تلك المرحلة موجات متتالية من ( الغجر ، او ” مطرب ” بحسب التسمية الشعبية ) وهذه الجماعات القادمة في غالبيتها من ايران وتتكلم القليل من الكردية والعربية الى جانب الفارسية  كانت في حقيقة الامر من اهل الفن ، والطرب ، واتقان استعمال مختلف الالات الموسيقية ، وكان بعض عائلاتها تمتهن  حرفا نادرة مثل تبيض الطناجر ، تمارسها كمهنة بديلة وقت الحاجة وكانت عائلة ” طوبو” المستقرة في قريتنا جمعاية تمارس هذه المهنة .
  اتذكر عندما كنت في المرحلة الإعدادية في مدارس القامشلي ، ان جماعة من هؤلاء حطت الرحال على جانب الطريق بين القامشلي ومحطة القطار القائمة على الحدود السورية التركية شمال المدينة  ولم يمضي وقت  طويل حتى جاءني شاب من تلك الجماعة ودعاني لتناول طعام الغذاء على مائدة زعيمهم ، واخبرني أيضا ان هناك مدعوون آخرون ، والى حين الوقت المحدد علمت من عدد من أصدقائي انهم مدعوون أيضا ، ثم تدارسنا الامر واتفقنا جميعا على الحضور احتراما لرغبة هؤلاء ( الضيوف ) من دون ان نعلم طبعا سبب دعوتنا حيث راودتنا العديد من التكهنات ، والاحتمالات .
  حضرت بالوقت المحدد مع عدد من الأصدقاء ، والزملاء ، وشاهدت حضور نحو عشرين شخصا جميعهم من الشباب من أبناء  الوجهاء والشخصيات المعروفة باالقامشلي ومحيطها ، وكان الاستقبال مهيبا حيث اصطفاف مجموعة من شباب هذه الجماعة للترحيب ، ثم الاصطحاب لمصافحة زعيمهم الجالس على السجاد العجمي والمتكئ على مخدات تليق بالمقام ، وحوله نحو ستة من رجاله يقومون عندما يقوم الزعيم ، وينادونه بادب واحترام ” فاقو آغا ” ، الذي يتقمص فعليا شخصية الاغا الحقيقي من دون منازع  .
  حدثنا – فاقو آغا – عن بطولاته ، ومغامراته في ايران ، وانه ليس محتاجا لاحد ، ولكن ضاق به الزمان والمكان ولجا الى هذه المنطقة ولايسعى الا الى الأمان ، والعيش بسلام ، طبعا ورغم اننا وبحكم اعمارنا لم نكن مخولين لمواجهة مثل هذه الأمور الا اننا رحبنا به وبجماعته ، وانهم بين أهلهم ، وعليهم الأمان .
  زبدة الكلام بهذا الشأن ان تلك الجماعة ارادت وامام جزء من الراي العام بالمنطقة رفع شانها ولو بشكل مصطنع بحيث منحت – فاقو – صفة الاغوية ، وسمته ” فاقو آغا ” ونقلته من فئة الى أخرى ، ومن شخص عادي الى زعيم  يوزع قطع اللحم على الضيوف ، لإزالة شبهة – الغجر – عنها أولا وأخيرا ، ( هذا مع العلم انني شخصيا اعتبر – غجر – أي شعب بالعالم جزء لا يتجزء منه ، ولايميزه عن الاخرين أي فارق ) .
  اما المغزى من استذكار واقعة ” فاقو آغا ” فهو الظهور الفجائي لاعداد من ( الفاقو آغات ) المصطنعة بمناسبة مرور عشرين عاما على هبة آذار المجيدة التي وبكل اسف لم تتوفر شروط تحولها الى انتفاضة قومية – وطنية شاملة ، ولاتحتاج مسالة – اصطناع – ” فاقو آغا ” في ساحتنا الكردية السورية المنكوبة الا لشهادة زور مغلفة بالنفاق ، اوندوة حزبية مصورة ومنشورة بالفيسبوك ، والفرق بين هؤلاء و “فاقو آغا ” الأصلي ان الأخير لم يكن حزبيا ،  وكان اميا  .
  الامر الاخر الذي يذكرنا ب ” فاقو آغا ” هو إصرار البعض ( عن جهل او مصلحة خاصة ) على التمسك  به من خلال الإشادة وبهذه المناسبة بالذات بدور الأحزاب القيادي في القضية الكردية السورية والرهان عليها في انقاذ الشعب ، وحل القضية ، استنادا الى بيانات لامعنى لها لاتغني ولاتسمن من جوع كما يقال ، في حين ان النتيجة الأولية العلمية الواقعية التي خلصت اليها الهبة الشعبية السلمية المقاومة هي : السقوط المدوي ” لفاقو آغا ” أو للحزب الكردي ، وبشكل اخص التي أعاد تدويرها باتقان العميد – محمد منصورة ،  وتكاد تكون هذه الخلاصة موضع اجماع الوطنيين المستقلين الكرد ، ومفكريهم ، ومثقفيهم الملتزمين بقضايا الشعب ، – وما نشهده الان من ممارسات أحزاب طرفي الاستقطاب تؤكد ذلك بل تستدعي كواجب قومي ووطني البحث عن معالجة الوضع الكارثي عبر إعادة بناء الحركة الكردية بالطريقة المدنية الديموقراطية ، وهذا هو عين الوفاء لذلك الحدث التاريخي العظيم ، وشهدائه الابرار  .
  وختاما أقول : ان من قاوم بشرف ، وضحى ، وساهم بقواه الجسدية والفكرية ، أواستشهد كجنود مجهولين ، كائنا من كانوا ، هم من خيرة بنات وأبناء شعبنا الشجاع ، ولايحتاجون الى شهادات احد ، بل هم خالدون في ذاكرة شعبهم .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد تناولت إيران بوصفها مثالًا على أزمة لا تستطيع الحرب أن تمنحها خاتمة سياسية واضحة، فإن حالة كردستان الغربية تكشف الوجه الآخر لهذه الحروب: حين لا يُحسم الصراع بين القوى الكبرى، لا تبقى النتائج معلّقة في الفراغ، بل تُعاد كلفتها إلى الأطراف الأضعف. وفي سوريا، كان الكرد أحد أكثر هذه الأطراف تعرضًا لهذا النوع…

لوند حسين* لا يحتاج المُتابع للحالة السياسية الكُردية في كُردستان (روژآڤا/سوريا) إلى كثيرٍ من التدقيق كي يلحظ حجم التشرذم والتراجع الذي أصاب الحركة الحزبية الكُردية خلال السنوات الماضية؛ فالتكاثر المستمر في عدد الأحزاب لم يعد يُنظر إليه بوصفه دليلاً على حيوية سياسية أو تعددية ديمقراطية، بل بات يُجسّد حالة من العجز عن بناء مشروع سياسي موحّد وفعّال؛ حتى أنَّ العبارة…