هنا روج- عفرين

إبراهيم محمود
فضيحة النظام التي تعرّت في الملعب البلدي بقامشلو “12 آذار 2004 ” تردد صداها خارجاً، على الصعيد الإعلامي- الثقافي، وبدءاً من مساء الجمعة، حيث أشير إلى ذلك كثيراً، إنما من باب التذكير، وللتأكيد على ما هو تاريخي حينذاك، في بيت الكاتب والشاعر إبراهيم يوسف، عبر التنسيق مع فضائية ” روج الكردية “، وحسب متابعتي. كان هناك ما يشبه نشاط خلية النحل، أي في كيفية توصيف المشهد الذي أراده أزلام النظام وقتلته بإشهار سطوتهم وطغيانهم من خلاله، وفشلهم الذريع في ذلك، وكان لرد الفعل الكردي شعبياً، وما أردناه” نحن الذين التقينا في بيت يوسف ” أي كيفية رد كيد النظام إلى نحره بالطريقة الأنسب، والرهان على الإعلام معزَّز هنا.
لا أدخل في التفاصيل، حسبي أن أشير إلى خلفية مدهشة من هذه اللحظة الآذارية، وسرعة التفاعل معها ثقافياً، من جهة الذين التقوا هنا، وليس حزبياً أو تحزبياً، وتباطؤ الإجراء الأخير بناء على حسابات دقيقة، تخص بنية العلاقات الحزبية وأبعادها وحساب نتائجها، وهي تقديرات بينية وجانبية، لم تكن قائمة فيما قمنا به من منظور ثقافي وتفعيل أثره إعلامياً، وكنا نحن ” هل أستطيع الإشارة الرئيسة في الحالة هذه ، وعلى صعيد الفعل إلى إبراهيم يوسف وأنا في الواجهة، في بيته؟ ” ليبدأ الضخ الإعلامي بعائده الكردي في ذلك المساء المتسارع والمتصاعد بسخونته وبثوانيه. هنا أنوّه إلى أن الذي جرى اعتماده لم يكن مبنياً على استراتيجية القول- الفعل، وفي تلك اللحظة المكثفة والطارئة والتي تطلبت دخولاً في المواجهة دون التفكير في الممكن حصوله من مخاطر وغيرها، ثمة كثيرون يبدو أنهم دخلوا في حسابات جانبية وتخمينات ومخاوف، فآثروا الصمت.
وكان ما كان. كان الكردي الذي لم يشأ أن يكون كما كان، وليس الكردي الذي أراد أن يكون كما كان، وبئس ما كان ، ويكون عليه وضعاً أو مقاماً.
أسجل هذه المبادرة الريادية من قناة ” روج ” الكردية، وكيفية التنسيق معها، وبث ما يجري وما أمكن التقاطه من معلومات، ومن تعليقات على الجاري على الأرض، وإجراءات النظام حسكاوياً هنا، وما ترتب على ذلك من صدمة النظام بالجاري بمثل هذه السرعة.
كان التعامل مع قناة/ فضائية ” روج ” وقتذاك تعبيراً عن مظلمة صارخة موجهة إلى الكرد جميعاً، وليس كرد سوريا ” كما كانت التسمية تتردد “، أو كرد روجآفا كردستان، كما جرى التأكيد على هذه التسمية بصورة واعية من تلك اللحظة وبإصرار.. يا لبؤس حسابات أزلام النظام !
لفضائية ” روج ” الكردية بصمتها الكردية والشجاعة في هذا المضمار، وقد استقطبت أنظار الكردي على خلفية من هذه اللحظة الصادمة لحسابات النظام، على خلفية من هذا التنسيق ، وعبر اتصالات وتعليقات ممن تواجدوا في محيط المكان القامشلاوي، كان هناك أكثر من دعوة من جهة تلك الفضائية إلى أوربا، إلى ” ألست ” المدينة البلجيكية التي ضمت ” روج ” إلى أكثر من فاعل ثقافي، سياسي، إعلامي معاً،  كنت أحد هؤلاء المدعوين، وكان هناك لقاء في مبنى الفضائية وفي حلقات ثلاث ، حول اللحظة الآذارية المشرفة تلك ، مع الشاعر أحمد حسيني.
لقد لعبت ” روج ” دورها الجدير بالتقدير، باعتبارها مأثرة كردية في الإعلام الكردي حينذاك .
 بالتوازي مع نشاط فضائية ” روج ” أشير إلى موقع ” عفرين ” الثقافي، الإعلامي الكردي، والذي كان يشرف عليه الحقوقي عارف جابو، لقد أثبت جدارته واستماتته في تمثيل هذه اللحظة، وتوسيع قاعدة الموقع الالكتروني الذي يحمل اسماً كردياً ” عفرين ” عدا عن استقطابه لكم لافت من الأقلام العربية بالذات، إلى جانب أقلام كتاب كرد، ممن أثبتوا جدارة انتماءهم إلى تاريخهم الكردي، اسمهم الكردي، حقيقة كونهم كرداً، ويمثّلون هذه الحقيقة في الصميم، خلاف  كثيرين لزموا الخرس.
لموقع ” عفرين ” بصمة كردية، وهي نضالية، وواعية، ومستنيرة في الوقت نفسه، حيث كانت المقالات المنشورة فيها تمثّل موضوعات شتى تخص ما جرى في الملعب المذكور وأبعاده، وما مثله المشهد المخطط له نظامياً من تحفيز لذاكرة مكانية كردية، وتاريخ كردي، ومكاشفة الجاري في نطاق ليس خريطة النظام السياسية حدودياً، فحسب، وإنما ما يخص الكرد، والموقف من الكرد، وكيفية التعامل مع الكرد كقضية شعب، وتاريخ وجغرافيا. لقد أفلتَ الزمام م يد النظام، وكان المد الإعلامي الكردي، وفي حصاده الثقافي وهو ينتقل إلى الخارج، بالصوت والصورة، غير مسبوق، وقد أثبت حقيقة في منتهى البساطة، وهي ليست بسيطة، وهي أن مجرد التخلي عن القليل من الخوف الذاتي، القليل من الأنانية، يكون كافياً للانتقال إلى عالم آخر، وبشعور آخر، ووعي آخر، يستحيل توصيفه إلا من جهة الذين تخلوا عن تلك الحسابات الذاتية الضيقة، وظلوا ليس أسرى لها، إنما وهم مفتونون بها، وما ترتب على ذلك من محاولات تجميلها، على النقيض ممن تصدوا لمخطط النظام ومن تعاونوا مع النظام، حالة الخرس المبهرجة قائمة إلى اليوم جهة الغافلين، المتجاهلين للحظة الاذارية تلك، ومن يحاول سبر بنيتها، بطابعها الثقافي والسياسي والحزبي المزعوم، يمكنه، أن يتلمس ما هو صادم ومتوقع: مسوّغ استمرارية الشقاق الكردي ورموزه، وكيف يجري تسيير ما هو  كردي في ركابه، وما في حراك ذلك من بؤس تفكير وتدبير.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد تناولت إيران بوصفها مثالًا على أزمة لا تستطيع الحرب أن تمنحها خاتمة سياسية واضحة، فإن حالة كردستان الغربية تكشف الوجه الآخر لهذه الحروب: حين لا يُحسم الصراع بين القوى الكبرى، لا تبقى النتائج معلّقة في الفراغ، بل تُعاد كلفتها إلى الأطراف الأضعف. وفي سوريا، كان الكرد أحد أكثر هذه الأطراف تعرضًا لهذا النوع…

لوند حسين* لا يحتاج المُتابع للحالة السياسية الكُردية في كُردستان (روژآڤا/سوريا) إلى كثيرٍ من التدقيق كي يلحظ حجم التشرذم والتراجع الذي أصاب الحركة الحزبية الكُردية خلال السنوات الماضية؛ فالتكاثر المستمر في عدد الأحزاب لم يعد يُنظر إليه بوصفه دليلاً على حيوية سياسية أو تعددية ديمقراطية، بل بات يُجسّد حالة من العجز عن بناء مشروع سياسي موحّد وفعّال؛ حتى أنَّ العبارة…