رسالة مرفوعة إلى دِلدار، كاتب النشيد القومي الكردي

 

>إبراهيم محمود
أي ِدِلدار Dildar ، أيها العاشق ” كما هو اسمك ، لكردستانك في عمومها “، أعني ” يونس ملا رؤوف  ” وأنت في انتمائك أباً عن جد إلى كرديتك التي لا تُبلى !
خمسة وثمانون عاماً، خمسة وثمانون جرحاً بعد رحيلك الأبدي ” 1948 ” وأنت تنتظر في ضريحك الملتهب بحرارة روحك الموحَّدة مَن يزف إليك بشرى وحدة كردستان، وحدة كردك، كردك الذي يصلون ما بين الأرض في أعماقها، والأعالي الأعالي في آفاقها، كما يشهد نشيدك القومك الكردي منذ أيام ” مهاباد ” الجرح الأول والأكثر إيلاماً في خاصرة الكردي، منذ ” 1946 ” شأن كل كردي، حيث يكون أمله بحجم كردستان قاطبة،، شأن كل كردي، إذ يرتقي  ألمه إلى حجم كرستان قاطبة. فعلى أي جانبيك تميل يا دلدار العاشق، وللعشق ضريبته في نكأ الجراح، وملء الجراح بملح الاصطبار، وقسوة عدّاد الزمن في نسيج الروح العصية على الغفلة، وكيف جسدك المأخوذ بمأساة تاريخك الكردي، ثمة طعان تزيد في عمق جرحك، وأنت في رحيلك الأبدي، وأنت يقظة كاملة بروحك، وطيّ نشيدك السامي الدامي؟

 

***
دلدار
أنت… أنت ” قلْب ” جرحك الكرسدتاني الواسع المدى يا دلدار” كما يقول اسمك الفنّي في نصفه الأول “، نبضه الخفاق بالوجع الفائض على نقشك الكردي التواق إلى الموعود به في غده.  أي قلب هذا الذي يسكُنك، هذا الذي يغذّيه صبرك الذي لا يحاط بجسارته، وفي جهاتك، ما يُبقي نشيدك النافذ الأثر بصراخه المحتسَب،  نشيدك المتردَّد صارخاً في صمت، ليصبح ” القلب ” أسيراً Dîl، إن منحناه حضوراً بنصفه الأول أكثر في مدّه الكسْري “، وكل مأهول بحب وطنه، أهله، قوميته، إنسانيته على وجه العموم ، هو قلب كل حدث فيه، تاريخه المعرَّف به في مأساته الخاصة، وأسير هذا الهم من بدء وعيه بنفسه إلى اختتام حياته؟  أتراك الآن تمد في زفراتك، في حسراتك، في تقلباتك على جنبيك، في مقاومة قبرك، لتظهر على ملأك وملؤك مجدداً صراخ تلو صراخ: ماهذا الذي يحصل يا كرد، أين كردستان هذه التي نوعَد بها، أين، أين ؟؟
وماالذي ينبىء به رصيدك الوجداني، غير التوجع والتفجع والصراخ الصامت والترقب..؟
***
دلدار، أشد على كل نبض في جسمك الذي فارق الحياة فتياً، على خفقة دم في سخونته على وقع حمّاك، وأنت تنسكن بخريطة وطن مقسَّم، وربما كلُّك أملُك أن استحالتها خريطة معلومة بحدود، كما هو حقك الكردي المشروع، قاب قوسين أو أدنى مما تنظر وتنتظر. أشد على كل حسرة مرفقة بدم يترذرذ من وطأة المكبوت المرئي في روحك، وأنت تشير إلى الكرد باعتبارهم ” أحياء ” وأنت تشير إلى نفسك وسط كردك بأنهم ” أبناء العلى والثورة الحمراء “، إنما إلى أين يمضي هذا الدم المراق يا عزيز الروح، الطيّب الروح،ويا ملطّف مناخ جغرافيته الكردية، وهي في أحبولة خماسينها…؟
***
لا ألومك البتة يا دلدار، وليس من اعتراض بالمطلق على كل حرف نبستْ به شفتاك، على كل صورة شعرية برحابة سمائك الكردية، على كل امتشاق للأمل يصل بك إلى السماء العلى، وهو الضارب جذوره مذ كان التكوين البشري، في ذاكرة الكرد الجماعية.. إنما.. إنما يا دلدار، أبكي شعباً لم يعد يعرف كيف يعيش كرديته، جرّاء خيباته ممن هم من لحمهم ودمهم نسباً، أشكو ” أولي أمر شعب ” ليس في مقدورهم أبداً أن يلوّحوا ببراءة ذمة مما تعانيه جغرافيتك الكردية من هول الانتظار وعلّتها، مما يكابده شعبك من رعب الدائر، إزاء من يبشّرون صباحاً بأن كردستان الموعودة على الأبواب صباحاً، وفي الظهر بلبلة، وفي المساء ثمة مائدة كبيرة، وحولها جل الواعدين بما لا هو مشتهى، يتفاوضون على حصص توسّع في جيوبهم، وليخططوا بعدها، و” أقداح الراح ” بعدها في أيديهم، لنوعية جديدة من الشعارات.. وهكذا.. وهكذا ..!
***
لا أطيل في رسالتي التي قرطاسها جسد مستغرق في الجراحات، وكتابتها تفيض بصرخات ملايين مؤلفة من الكرد، وأنا أرى ما لا يراه، وما لا يريد أن يراه الكثيرون، ممن يرددون نشيدك، ليقطفوا من شجرته الباهية ما ينتظرونه من ثمار تعنيهم دون غيرهم، كتّاباً يلوحون باسمك وصورتك، ونشيدك ولغتك طبعاً طبعاً، وليس لهم ظل يشهد على أن الكردية فيهم تتعدى حدود اللهاة في جوف فمهم. سياسيون، لا يعرفون من الكردية في بورصة الشعارات غالباً، كما  تقول أيديهم المنفصلة عما تضمره نفوسهم، وقد تقاسموا جهات كردستانية وأبعد هنا وهناك. حزبيون ، ولا أكثر من أسماء ” طوائفهم ” كما هي التسمية الدقيقة والصائبة، في عشرات مؤلفة من أنسابها الكردية المزركشة، يحفظون فواتح جلساتهم وخواتمهم بالكردية الهادرة، عن ظهر قلب، في ظل العلَم ونشيدك المعلوم يتردد صداه في محيطهم، ويمضون صحبة الكردية المهدورة بهم كثيراً، والشعب الشعب الذي يُبَشّر في كل جلسة، في كل حوار متلفز، في كل نشرة منبرية، أنه سيجد نفسه قريباً واحداً موحداً، في لغة واحدة، في ظل علم واحد، ومع نشيد قومي واحد للجميع، كما عشتَ مخاط ولادته المباركة، ولكن هيهات هيهات، وليس من ” طائفة ” تحزبية كردية طبعاً، إلا وتعزّز الكردستانية فيما عرِفتَ بها دون غيرها، وعلى الحدود المنقسمة والمفتوحة جراحات لا تتعافى يشرب أعداؤهم نخب ما توصّلت إليه رموز الكرد هؤلاء..
***
دلدار
كل لحظة من الزمن الكردي، وحيث تحلّق روحك الذاهلة عما تجري
وأنت بجرح أقل إيلاماً..
دلدار..
الأنسب لي أن أتوقف هنا..، لئلا أثقل على روحك، وأزيد ألم مأساتك، مأساتنا الكردية ألماً على ألم، وأنا أعاين تلك المكابدة التي تعيشها إلى أجل غير مسمَّى، كما لو أنك لم تمت . بالتأكيد أنت حي أكثر من كثيرين في عداد الأحياء، ومهنتم المعلومة، كيف يحْيون على حساب من هم موتى، ولا يرتاحون في أضرحتهم، كما أنت في الواجهة، وعلى حساب من هم أحياء، ابتزازاً ومخاتلة..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…