الأحزاب الكوردية لا تمارس السياسية

 

د. محمود عباس

 

الحراك الكوردي الحزبي في غرب كوردستان، منذ تأسيسه، وحتى مرحلة بلوغه قرابة المئة حزب وتنظيم، بجميع أحزابه لم يمارسوا السياسة في الواقع العملي، رغم العقود الطويلة من العمل والنشاطات الحزبية، وما كتب الكثير منه لم يخرج عن المجال النظري، بل هيمنت عليهم منهجية العمل الحزبي والتعامل بين بعضهم على أسسه.
فما نراه اليوم ورغم ما يجري خلف الكواليس الدبلوماسية من المؤامرات ضد الشعب ومكتسباته وقضيته، والحروب الدينية والقومية في المنطقة بشكل عام، لا زالت الأحزاب الكوردية تخون بعضها، وتنشر التهم، وتصدر التصريحات الساذجة ضد بعضها البعض، ومنها ما تتحول إلى تغطية غير مباشرة على جرائم المرتزقة التركية العابثين في منطقة جيايي كورمينج، ومدنها، أو التي لا تزال تطمح إلى السيادة الحزبية وتتناسى السياسة. والتي كنا نأمل من لا يتمكن ولظروف ما تجريم المنظمات المحتلة لعفرين والمناطق الأخرى من غرب كوردستان ألا يمدحهم أو يجد المبررات لأفعالهم على الأقل. ومن لا يتمكن من تحسين معيشة الشعب والحد من الهجرة ألا يضاعف من ظروف تفاقمها.

 

كانت ولا تزال نشاطاتهم في الواقع العملي محصورة ضمن الصراعات الحزبية، إلى درجة سخروا ولا زالوا يسخرون نضالهم ضد المحتلين لخدمة الحزب قبل القضية، يتفاخرون بها لرفع مكانة التنظيم، ومثلما استخدموها ويستخدمونها أسلحة ضد بعضهم، وعلى أثرها ظلت سوية مطالبهم القومية، ضمن جغرافية خلافاتهم، تحت غطاء مهترئ أضفوا عليها أسم السياسة، وجل هدفهم احتلال الشارع الكوردي، وإلغاء الأخر، قبل الاحتلال الخارجي.
 هذه الإشكالية المرعبة، كانت ولا تزال من إحدى أهم أسباب عدم التوافق على القضايا الوطنية والقومية، والتراجع عن الفيدرالية كمطلب قومي ووطني تحت مصطلحات لغوية تلاءمت ورغبة المعارضة العربية، هذا التراجع وإشكالية غياب السياسة ساعدت على توسيع شرخ الخلافات، وشبه عدمية التوافق، فحتى الأحزاب التي تحالفت أحيانا لم تتمكن من تجاوز هذه المعضلة وخلق القوة التي بإمكانها التحدث باسم الشعب.
  الواقع الذي أجبرت أحزاب غرب كوردستان الاحتماء بالقوى الكوردستانية خارج جغرافيتهم، والذي أدى إلى تضخم العائق الأول في عدم تمكن الـ ب ي د وتابعيها من الاتفاق مع أحزاب المجلس الوطني الكوردي وبالعكس.
 من السهل للقوى التي تمارس السياسة تناسي خلافاتها مع ألد أعداءها، وتعويم المصلحة الوطنية والقومية على منهجية أو إيديولوجية الحزب، كما وأن دروب التحالف مع الأخر الذي ربما كان معاديا له قبل فترة تظل مفتوحة حتى في أصعب الظروف كالتي تمر بها غرب كوردستان اليوم.
  الجدلية التي لا تتمكن الأحزاب الكوردية قيادة وأعضاء من إدراكها أو حتى تقبلها والحوار حولها، جلهم يفضلون العداء على التحالف على المنهجية السياسية لتحقيق الغاية الوطنية والقومية.
 من الصعب على من تشرب التحزب طوال عقود طويلة، ومارسها بحنكة غريبة في المؤتمرات والنضال الحزبي، أن يعيد تركيبة مفاهيمه، ويخلق قدرة استيعاب الحقيقة وهي أنه يمارس التحزب وليست السياسة التي يتطلب منهم كقوى شعبهم يعاني من الويلات، ومن ثم تجاوز خلافاتهم الداخلية وإبراز الذات كأحزاب على ممارسة السياسية، حيث التنازل عن بعض مصالحهم والتخلي عن تحالفات خارجية أضرت بهم وبقادم شعبهم أكثر مما أفادتهم كأحزاب.
 ولمواجهة قادم قد يكون مرعبا، وحيث احتمالات تغييرات جيوسياسية في المنطقة، يتوجب على قادة الأحزاب المهيمنة، الذين لم يتغيروا منذ قرابة العقدين وأكثر، إعادة النظر في ماضيهم، ودراسة الحاضر، وكتابة القادم بمدارك عصرية تتلاءم والظروف السياسية والصراعات الجارية في المنطقة، وما يتطلبه واقع الشعب الكوردي، رغم أن المطلوب ليس سهلا لشرائح تخرجت من مدارس التحزب، وخرجت أجيال على المنهجية المطعونة فيها، لكنها ليست مستحيلة فيما إذا كانت هناك قناعة على أن المسيرة التي أوصلتهم والشعب إلى هذا الواقع المزري، التراجع عنها، وإعادة تركيبة مفاهيمهم، وتعديل أو تغيير منهجيتهم، والاقتناع على أن خلافاتهم التي بلغت إلى حد التشهير ونشر خطابات التخوين لن تنقذهم من مستنقع الصراعات الحزبية والمؤدية إلى أن يتقبلوا الإملاءات الخارجية والعمل كأدوات تنفذ ما تفرض عليهم.
 عليهم إعادة تركيبة الذهنية الحزبية والسياسية، ومتى يجب استخدامهما، والتي تختلف ما بين ظروف وجود دولة ومؤسسات، أو حراك لا يزال في أطوار التحرر القومي. فتجارب الحركات التحررية الوطنية والقومية العالمية والكوردستانية بشكل خاص، تعتبر مدارس غنية للتعلم وأخذ العبر منها، علها تزيد من آمال النجاح للحراك الكوردستاني ولقادم الأمة.
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
27/11/2023

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…