التغيير القادم على نار هادئة

 عزالدين ملا

   تشهد منطقة الشرق الأوسط والعالم صراعاً مستميتاً لفرض النفوذ وتنفيذ الخطط المرسومة وتطبيقها على أرض الواقع، وما يحصل الآن من أحداث وتوترات خطيرة وغير مسبوقة، وصراعات قائمة لم يشهده العالم منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية، ليس فقط صراعات عسكرية بل وحتى صراعات سياسية وحرب إعلامية ضخمة بين الدول الكبرى أمريكا وروسيا ومن خلفهما تركيا وإيران، وما الحرب الدائرة في غزة وأوكرانيا ليست سوى خطوات تنفيذ لِما تمّ تخطيطه منذ بداية مئوية الحادي والعشرين، والمشهد العام يشبه إلى حدٍ بعيد لِما حصل قبل مئة عام.
  من هنا، يبدو أن كل الاجتماعات والمؤتمرات التي حصلت خلال السنوات الماضية كانت أساليب المقايضة إلى جانب فرض النفوذ وليّ الأذرع، فكان انهيار القطب الشرقي الذي كان متمثلاً بالقوة العظمى آنذاك الاتحاد السوفييتي بداية تنفيذ الخطة المرسومة في مشروع الشرق الأوسط الكبير المنتظر وربطها بالقطب الأوحد، وخلال السنوات اللاحقة كان التخطيط يرسم وفق أسس معينة مغايرة عن التخطيط والسياسات التي اعتمدت عليها قبل قرن من الزمن.
   توجّهت المفاهيم إلى الاعتماد على الاسلام الراديكالي، ودعمت المنظمات والجهات الإسلامية تحت مسميات كثيرة بالمال والعتاد، في توجهٍ للاعتماد عليهم لمئة سنة قادمة، لكن العقلية العصبوية لتلك التنظيمات التمرّدية لم تدعم توجّهات مخططي المشروع، لذلك تمّ توجيه تلك التنظيمات الاسلامية المصطنعة من خلال أدواتهم داخلها إلى تنفيذ أعمال إرهابية، هكذا تمّ وضعهم على لائحة الإرهاب ومحاربتهم بحجة الإرهاب، فكانت العمليات الانتحارية في مناطق عديدة من العالم إلى جانب عمليات تفجير لمراكز حيوية ذات كثافة بشرية وإظهارهم وحوشاً إجرامية يجب ملاحقتهم، وتمّ استحضار تفويض أممي لمحاربتهم والقضاء عليهم.
   لذا كانت تداعيات هجمات الحادي عشر من أيلول بداية تغيير قواعد اللعبة وتغيير التكتيك في تنفيذ الخطوة الأولى للخطط المرسومة، والذي كان الهجوم العسكري الأمريكي على أفغانستان وملاحقة اسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، ومن ثم حرب الخليج الثانية وإسقاط نظام صدام حسين.
   لكن، ما لاحظه مخططو تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير من خلل في تنفيذها، وذلك من خلال مَنْ استلم مقاليد الحكم في كلتا الدولتين أفغانستان والعراق، لأسباب عديدة، منها الفساد والضعف في الإدارة والسيطرة على زمام الأمور، ما يجعل لتلك الأنظمة غير مؤهلة في الاعتماد عليهم لتنفيذ المخطط المنشود.
    مع بداية ثورات الربيع العربي، والتي تمّ استغلالها، وإيجاد فرصة جديدة للبدء بتنفيذ المخطط، وكان العطش الجماهيري الكبير إلى الحرية والديمقراطية والخلاص من الأنظمة الكلاسيكية الديكتاتورية فرصة سانحة للتنفيذ، فكان العزف على وتر العاطفة الشعبية بداية التدخُّل، من خلال شعاراتهم الكبيرة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تروي عطشهم، بدأ الزخم الجماهيري بالخروج إلى الساحات والمطالبة بإسقاط الأنظمة في بلدانهم، كادت تلك المظاهرات الكبيرة أن تُغيِّر تلك الأنظمة لولا تدخُّل التنظيمات والجماعات الإسلامية المتطرّفة وبمساعدة تلك الأنظمة من التغلغل بين الجماهير وتحويل المطالبات السلمية إلى هجمات مسلحة، مما دفعت منفذي المشروع من الرجوع خطوة إلى الوراء والحذر من عقلية تلك الجماعات وأفكارها المتطرفة وتمرّدها، فكان الحلّ الوقوف في وجهها ومحاربتها ومنعها من استلام زمام الحكم، كما في مصر عندما استلم زعيم تنظيم الإخوان المسلمين محمد مرسي الرئاسة، ولكن طريقة حكمه وعلاقاته وسياساته لم تُرضِ  أصحاب تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث تمّ إقصاؤه ومحاكمته بتُهَم الإرهاب.
   سوريا كانت الوجهة الأخيرة فيما تسمى ثورات الربيع العربي، حيث أصبحت مرتعاً للإرهاب، وتجمّعت فيه مختلف التنظيمات الإسلامية وضمَّت عناصر متشددة من مختلف دول العالم وتحت تسمية دولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)، دفعت ذلك الولايات المتحدة والغرب إلى اتخاذ قرار من المجلس الأمن بشرعنة تدخلها بمحاربة إرهاب داعش، تحولت الساحة السورية إلى ملعب صراع بين الدول الكبرى والإقليمية، تتحرك كل دولة حسب ما تقتضي مصلحتها.
    توسّع نطاق الصراع بين القوى الكبرى أمريكا وروسيا إلى الخارج، وكانت الغزو الروسي على أوكرانيا، استغلت أمريكا والغرب ذلك للضغط وبتر أي تواجد روسي في البحر المتوسط، لكن قدرة روسيا إلى استغلال الحالة الاقتصادية والتجارية بقطع الغاز الروسي عن أوروبا، مما أربكت دول الغرب وإيجاد البديل.
   هنا، تحرّكت إيران بتوجيه أدواتها في الشرق الأوسط للقيام بأعمال إرهابية ضد الوجود الأمريكي والغربي في المنطقة كما في سوريا والعراق واليمن وفي لبنان وغزّة، ودعمت روسيا بالطائرات المسيّرة، فتدخلت أمريكا واغتالت مهندس إدارة ميليشياتها في المنطقة، وحرّكت ملف النووي الإيراني للضغط عليها، وكذلك دعمت الاحتجاجات الشعبية في إيران، رغم ذلك يبقى التهديد الإيراني وتحريك أدواتها مستمرّا.
  إن إحداث أيّ تغيير لتحقيق الخطط والسياسات المطلوبة يتطلب افتعال أزمة ما لقلب موازين القوة على الأرض، ودفعها نحو تحديد الهدف الحقيقي، لذا كانت العملية التي نفّذه تنظيم حماس على غلاف حدود اسرائيل وقتل وأسرّ المدنيين بداية افتعال أزمة لتحقيق ما هو مطلوب.
  اعتقد، أن ما هو مطلوب لمخططي مشروع الشرق الأوسط الكبير وتطبيق الخارطة الجديدة على الأرض والبحث وإيجاد قوة موثوقة معتمدة وكفوءة، والموجودة على الأرض هم الكورد، الذين أثبتوا كفاءتهم وقدرة على مواجهة الإرهاب ودحره كما حصل أثناء محاربة تنظيم داعش الإرهابي، وكذلك أثبت الكورد إخلاصهم ووفاءهم للوعود، كما رأى الجميع في إقليم كوردستان وسياساته المتوازنة وخطوات موثوقة للتحديث والتطوير، والجهة المقبولة من قبل جميع الدول الإقليمية والعالمية.
   إن مخطط الشرق الأوسط الكبير بات واقعاً ملموساً وخطوات تطبيقه أصبح أقرب مما كان بعد عملية حماس، الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية أظهرت في تحرُّكاتها وتصريحاتها أن هذه العملية الحلقة الأخيرة في الخرائط الجيوسياسية الحالية، وأن القادم ستكون له سياسة وخرائط جغرافية جديدة وفق متطلبات المرحلة المستقبلية وغايات المصالح لمخططي المشروع.     

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…