إيران تحرق المنطقة

د. محمود عباس

أئمة ولاية الفقيه يتحدثون بلغة مرنة، ويعملون برعونة، يدعون الأخوة في الإسلام، ويكرهون كل من لا يلتقي ومنهجيتهم، صراعهم مع القوى السنية لا تقل عن صراعهم ضد إسرائيل، وكرههم للسنة التكفيريين خاصة لا تقل عن حقدهم على اليهود، لم يتوانوا يوما من جر الأنظمة السنية إلى مستنقع الحروب الإقليمية، أو محاربتهم بمليشيات تصرف عليهم المليارات، وتجاربهم في أفغانستان، واليمن ولبنان والعراق وسوريا وغيرها تعري الوجهين المتناقضين لهذا النظام الخبيث، والداهية في نفس الوقت.
تلاعبهم في ساحات المصالح السياسية والنفاق الدبلوماسي، واضح لجميع القوى وخاصة الأمريكية، فإلى جانب الادعاء بأنها تساعد قطاع غزة، تغطي على جرائم ميليشيات أردوغان في عفرين، وقصفه الكارثي على المناطق الأخرى من غربي كوردستان، ليس حبا به بل مقابل تغيير وجهة نشاطات المنظمات التكفيرية والمرتزقة عن النظام السوري، إلى الصراع مع إسرائيل، بعدما كانت تساندها وهي تدفع بهم إلى محاربة قوات قسد والإدارة الذاتية، ومن خلالهم القضية الكوردية في سوريا، وحيث المصلحة المشتركة التي جمعتهم طوال العقد الماضي. أي عمليا أخرجت إيران وتركيا معظم المنظمات العسكرية السورية التكفيرية وغيرها من واقع المعارضة ضد النظام إلى مرتزقة يحاربون لمصالح تركيا بشكل مباشر، وإيران وروسيا بشكل غير مباشر.  
 هذه السياسة الخبيثة دفعت بها لتقول بأنها لا تدعم الميليشيات التي تهاجم القواعد الأمريكية في سوريا والعراق، وذلك بعدما رأت جدية الحشد العسكري الأمريكي الهائل حول المنطقة، وجلها موجهة نحوها ولن تحصر في مناطق الميليشيات، سوريا والعراق أو في جغرافية إسرائيل وفلسطين، ودفعت بزعيم حزب الله إلى ترديد المقولة ذاتها وكلاهما يدركان أن هذا النفاق لا ينطلي على أي إنسان عاقل وخاصة أمريكا، ولكن ومن البعد السياسي كان لابد منها؛ كرسالة تهدئة لأمريكا، التي لا تريد إضعافها أكثر مما هي عليه خاصة في المجال الاقتصادي، لكنها لا تتوانى من جرها الى مستنقع الحرب، والإقدام بالرد العنيف على جغرافيتها، في حال تجاوزت ميليشياتها الخطوط الحمراء، والكل يدرك مثلما هي تعلم أن الجميع يعلم أن من يهاجم القواعد الأمريكية هي ميليشيات إيرانية، خلقتها وتدعمها بالمال والسلاح وتتحرك بأوامرها، مع ذلك صرحت وتعني بذلك:
1- أنها تراجعت عن استراتيجية توسيع حلبة الصراع في المنطقة، وهو تغيير مفاجئ، لما خطته مع روسيا، لقناعتها بأن نتائجها ستكون كارثية على الداخل الإيراني لربما مشابهة لما يحدث في قطاع غزة. ومن ثم الاقتناع بأن أمريكا ستجرها كدولة إلى مستنقع الصراع.
2- أي حرب واسعة في المنطقة ضد الوجود الأمريكي، سيكون رد الفعل صادماً، وتبين من التصريحات الصادرة من المسؤولين الأمريكيين وخاصة من وزير دفاعها البارحة، على أن أي اعتداء على جنودهم؛ إيران هي المسؤولة، ولن نتهاون في الرد القاسي.
3- استمرارية ما تقوم بها ميليشياتها الأن ليست بأكثر من خداع سياسي-عسكري لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، والتي دفعت بها إلى الحرب بعد إقناعهما بأنهما لن يكونا وحدهما في الصراع. فكما يلاحظ رغم كل الهجمات على القواعد الأمريكية لم يقتل أي جندي أمريكي، وهي دلالة واضحة على أن شعب غزة الآمن أصبح ضحية استراتيجية إيران وروسيا.
4- أمريكا وإسرائيل تمكنا من حصر الصراع في منطقة غزة، وعلى الأرجح نجحوا فيها حتى الأن، وجميع القوى بينهم روسيا وإيران خرجوا من الهوبرة الٍإعلامية، وأصبحوا يبحثون بجدية في كيفية وقف الحرب، لذلك فإن هجمات ميليشياتها على القواعد الأمريكية بدأت تصب في هذا المنحى، أي منحى إيقاف الحرب وليس التصعيد.
مع ذلك لا زال خطر توسع الصراع قائما في المنطقة، وقد تصل إلى مرحلة عدم التمكن من إيقافها، كتجاوز بعض الميليشيات حدود الأوامر الإيرانية، وقتل بعض الجنود الأمريكيين، حينها أي تحرك أمريكي ستكون الجغرافية الإيرانية من الساحات الرئيسة للحرب، ولا شك قوى التحالف وميليشيات كل الأطراف ستدفع إليها، وشعوب المنطقة ستدفع الثمن غالياً، وسيكون الصراع المذهبي في مقدمة السياسي، وستختفي الاعتبارات الإنسانية أمام مصالح الدول الكبرى والإقليمية.    
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
3/11/2023
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد تناولت إيران بوصفها مثالًا على أزمة لا تستطيع الحرب أن تمنحها خاتمة سياسية واضحة، فإن حالة كردستان الغربية تكشف الوجه الآخر لهذه الحروب: حين لا يُحسم الصراع بين القوى الكبرى، لا تبقى النتائج معلّقة في الفراغ، بل تُعاد كلفتها إلى الأطراف الأضعف. وفي سوريا، كان الكرد أحد أكثر هذه الأطراف تعرضًا لهذا النوع…

لوند حسين* لا يحتاج المُتابع للحالة السياسية الكُردية في كُردستان (روژآڤا/سوريا) إلى كثيرٍ من التدقيق كي يلحظ حجم التشرذم والتراجع الذي أصاب الحركة الحزبية الكُردية خلال السنوات الماضية؛ فالتكاثر المستمر في عدد الأحزاب لم يعد يُنظر إليه بوصفه دليلاً على حيوية سياسية أو تعددية ديمقراطية، بل بات يُجسّد حالة من العجز عن بناء مشروع سياسي موحّد وفعّال؛ حتى أنَّ العبارة…