صراع اليهود والفلسطينيين على ورثة النبي داوود

د. محمود عباس

ما أغرب التاريخ، وما أسهل تحريفه، خاصة عندما تتحكم بمدونيها سلطة فاسدة تملك القوة والمال، كالتي هيمنت على كتابة تاريخ إمبراطوريات الشرق الأوسط، وممالكها.
  وفي مقدمتهم تاريخ اليهود من النبي موسى مروراً بداوود وما بعد؛ والفلسطينيين قبل أن يعتنقوا الإسلام ويصبحوا عربا وبعدها. 
 أولئك أصبحوا شعب الله المختار بتلقين من ملوكهم الذين تحولوا إلى أنبياء فيما بعد وبجلوا، والأمة الإسلامية وبعد قرون طويلة، والعرب نواتها، وصفوا بخير أمة أخرجت للناس، والوصف جاء قبل أن ينضم الفلسطينيون إلى الإسلام والعروبة، واليوم منهم. وبالتالي الصراع يجري بين شعب الله المختار وخير أمة.
ومن الغرابة أن الشعبين استفردوا من بين شعوب المنطقة بكثرة الأنبياء والرسل، مع ذلك استمرت معاناتهم، كمعاناة جميع شعوب المنطقة، لأنهم لم يتمكنوا من تحرير ذاتهم من نير شريحة ضالة متنفذة، وهي الشريحة التي ولدت من لدنها طغاتهم وملوكهم ومعظم قادتهم الفاسدين. 
 بجلت الأديان السماوية معظم ملوك اليهود، ومن بينهم داوود، وجعلوه نبيا، قدسوه، وكفروا وشوهوا تاريخ قائد الفلسطينيين جالوت، وهي الرواية التي فرض ملوك اليهود كتابتها، وأثبتها الإسلام في نصه، وبجلها الفلسطينيون بعدما اعتنقوا الإسلام، وحاربوا بعضهم طوال القرون الطويلة الماضية، ليس ثأراً لجالوت، بل لاحتضان داوود وأحفاده، والغاية الرئيسية هي الحصول على ملكية الجغرافية التي حكمها داوود بشعبه. 
 مع العصور، وعلى خلفية توسع الصراع ما بين قادة اليهود والفلسطينيين، إلى ما بين المسلمين واليهود، تحولت أوجه الرواية، وليست الرواية ذاتها، فعزل الإسلام الملوك-الأنبياء عن شعبهم اليهودي، تحت مفهوم فكري بسيط، وهو أن الأنبياء يرسلون إلى الشعوب الضالة، فتم كره اليهود كشعب، على إنهم ظلوا على ضلالهم طوال القرون إلى يومنا هذا. متناسين أن محمد (صلى) أرسل نبياً للعرب الذين كانوا على ضلال، حسب مفهوم الرسالة والنص، فهل تمكن من إصلاح الضالين من العرب، وفشل الأنبياء الأخرين في إيصال الرسالة الإلهية؟
وبعد اعتناق الإسلام، تحول الفلسطينيون من الكره لداوود وأبنائه وأحفاده إلى تقديسه، وبجلوهم بتنصيبهم أنبياء، بقدر تقديس اليهود لهم إن لم يكن أكثر، التحول لم تقربهم من بعضهم، بل فاقمت من الكراهية بينهما، فلم يتحرر الشعبين مثل شعوب المنطقة أبناء الديانات السماوية الثلاث، من ثقافة الكراهية تجاه البعض، قلة من اقتنعوا بروح التسامح، والتعامل بالمثل، وبالعكس عمق الملوك والأنظمة المتعاقبة الحقد بينهم، دعموها بتأويلات فاسدة للنصوص، فشوهوا ليس فقط المجتمعات، بل الأديان ذاتها.   
فهل اليهود فعلا على ضلال، كما يدعي المسلمون، لذلك يتم محاربتهم؟ وهل العرب، والفلسطينيون ومعهم الشعوب المسلمة، اهتدوا وأصلحوا، كما يقولون عن ذاتهم، أم هناك أسباب أخرى، تؤدي إلى الحروب بينهم؟ 
   لا شك الضلال هي البيئة الملائمة لظهور المتطرفين والطغاة، أمثال إسماعيل هنية وبنيامين نتنياهو وغيرهم، لكنه ليس السبب الوحيد خلف هذا الصراع. كما وأن موازين الضلال والصلاح، لا يملكها أحد، لتقييم الآخر وحركاتهم السياسية، ليقدموا على أسسها الإقدام على هذا الإجرام والإجرام المضاد بحق المدنيين الأبرياء والأطفال والنساء.
   ما يجري اليوم هو استمرارية لصراع غارق في القدم، وليس وليدة المرحلة، فلا هؤلاء يقتادون بالنبي داوود وأحفاده من الأنبياء، ولا أولئك. 
  ظل جالوت الفلسطيني الجبار في التاريخ طاغية إلى اليوم، والشعبين يكرهونه، ويقدسون ملك اليهود، علما إنه قائد فلسطيني، ويجب أن يمجدوه كبطل من أبطالهم التاريخيين، تخلوا عنه لأنه لا يمثلهم اليوم وهم في الإسلام، بل يمثل إيران وأئمة ولاية الفقيه، الذين يستغلون عزة الشعب الفلسطيني وطيبته لإقحامه في أتون معارك لا قدرة لهم عليها، ويضحون بأبنائهم وخيرة شبابهم لتمرير مصالحهم ضد أمريكا من خلال محاربة الشعب اليهودي الآمن، أصحاب الأرض وأحفاد موسى وداوود، في الوقت الذي فيه بإمكانهم والدول الإقليمية المعنية، والدول الكبرى حل القضية الإسرائيلية – الفلسطينية بالطرق السلمية.
 لكن وللأسف الأنظمة الإقليمية الفاسدة، يعيدون اليوم كتابة التاريخ، بنفس الأسلوب، الذي كتبه الملوك، وكتبة سيرة الأنبياء والرسل، الذين فسروا نصوص الرسالات السماوية بتأويلات تلاءمت وصراعات تلك المرحلة، وهو ما ينسخه اليوم إعلام الدول الكبرى، والعربية والإسلامية، والمعنية بالأمر، والكل يحرفه، حسب مصالحهم، فتاه الشعبين بين النبي داوود وجالوت أئمة ولاية الفقيه. قيادات ضالة تدمرهم، والشعبين يتشبثون بجلباب داوود. 
 ومن الغرابة إن الأديان كانت طوال التاريخ المطية التي سخرتها طغاة الشرق ببساطة لأهدافهم السياسية، إلى درجة غابت فيها مفاهيم الرحمة في الأديان، فخسرت الشعوب القدرة على التحكم، وخسرت الأديان جلب السلام، بل تحولت مفاهيمها إلى أداة للتدمير، والقتل والإرهاب، رغم هيبتها وجبروتها وسيادتها على الشعوب وثقافاتهم. 
 ومن الغرابة الإلهية، رغم ظهور كل هؤلاء الأنبياء والصالحين بين شعوب الشرق، ظلوا يكرهون بعضهم إلى اليوم، لا الأنبياء تمكنوا من إصلاحهم، وتشذيب ثقافة الكراهية بينهم، ولا الشعوب تأثرت بالرسائل الإلهية، بل نجحت القوى السياسية والمنافقون أمثال أئمة ولاية الفقيه وأردوغان وبشار الأسد ووالده المقبور وصدام حسين وغيرهم في إشعال الحروب التي لم تقف يوما في شرقنا من حينها إلى هذه اللحظة. 
 وما يجري اليوم ما بين إسرائيل والفلسطينيين، أحفاد وتابعي النبي داوود، هي نتاج أحقاد الماضي، أثارتها إيران بطلب من روسيا، بخلق الفتنة، والفتنة أشد من القتل، ولا نظن أنها ستنتهي، حتى لو تمكنت القوى السياسة الكبرى، كأمريكا وأوروبا وروسيا والصين، السيطرة عليها لفترة ما، فيما إذا تطلبت مصالهم ذلك، مثلما فجرتها مصالح روسيا لتخفيف الضغط على جبهتها في أوكرانيا، ويدفع ثمنها المدنيون الأبرياء من الشعبين اليهودي والفلسطيني.
 
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
18/10/2023

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…