تبعات المؤاخذة

ماجد ع محمد

ثمة جهات لا تنتقدها لأنها تعتبر النقد هجوماً وترى في المنتَقِد عدواً وليس صديقاً، وهذا النموذج تخشى نقده لجهله بالنقد ووظيفة النقد وضروراته، وجهات لم تعد تنتقدها لا في جميلٍ قامت به، ولا على قبيحٍ مارسته، لأنها بكل بساطة غدت مقيمة خارج باحة النقد، ومن يمكث خارج الباحة لا جدوى من نقده سلباً أو إيجاباً، ومَن كانت تلك حالته فمجرد تفكيركَ بنقده يُعتبر هدرٌ لوقتك وجهدك.
وثمة أطراف من كثرة تورطك بمدحها في فترة زمنية ما، لا يعود لك الجرأة على ذكر ولو واحدة من مثالبها، وثمة جهات لا تنتقدها لأنك لا تريد قطع شعرة معاوية الوحيدة كجسرٍ أخير بينك وبينها، وجهات لا تنتقدها لأن لنقدك تأثيرات مباشرة على لقمة عيشك، وهذا ما يدفعك إلى الإعتصام بالصمت طالما كانت الكلمات عن عثرات الجهة ستجلب المضرة، فيما الترويج لحسناتها يدخلك إلى مهجع المتملقين؛ وجهات لا تنتقدها لأنك تخشى على ذاتك أو على زوجتك أو على أولادك من أجهزتها الإدارية أو الأمنية.
وبخصوص ما يجري بحق طيفٍ من اللاجئين السوريين في تركيا بحجج وذرائع كثيرة، فعشرات الأصوات كانت تتمنى قول الكثير إلاّ أن عواقب الملامة وتبعات المؤاخذة تمنع الكثير منهم قول ما يفكرون به وما يُشغل بالهم، ذلك لأنهم تجرعوا من قبلُ مرارة قول لا لتصرفات الأجهزة الأمنية، لا لممارسات البوليس، فأدركوا بأن الآفاق لم تعد تسمح لهم بإعادة كلمة “لا” جهارةً أو بإخراج الذي يودون التعبير عنه صراحةً في مكانٍ آخر، لذا ولكي لا تتحول المآخذ المجتمعة في معاقل الذات إلى مفعلاتٍ مكتومة يضر دوام كتمانها بصحة صاحبها، يلجأ المرءُ إلى وسائل تعبيرية خفيفة على صاحب الدار، وبنفس الوقت فبخروجها ولو بآلية المواربة والإلتباس تخفِّف المدونات من نسبة الضغط النفسي.
وفي هذا الإطار كتب الشاعر والإعلامي السوري محمود الطويل  قائلاً: “هم لا يحملون عنصريةً ولا أذى، نحن فهمناهم خطأً، وإلا فهذه مقاصدهم الحقيقية: وجدوا أن الناس بها شوقٌ لبلادها، فصاروا يأخذونهم من الشوارع والبيوت والمعامل ويرحّلونهم إلى بلادهم من دون أية إجراءات تربكهم، بكل طوعية وكرامة؛ وجدوا أن العمّال مظلومون بالأجور وساعات العمل، فأخذوهم من أعمالهم كي لا يبقوا بها مضطهدين؛ وجدوا أن اللغة العربية لغة قرآن وأذان وعبادة فأرادوا أن يحموها من وَضاعةِ اللافتات وواجهات المحلات فأزالوها؛ فربما كان التاجر غشّاشًا هل نسمح له باستخدام لغة عالية المقام في الترويج لغشه والتدليل عليه؟ لذلك أزالوا الكلمات العربية من تلك الأماكن؛ وجدوا أن الهاربين من ظلم بلادهم وظلماتها ومللها ورتابتها، فبادروهم بالرصاص الحي للتسلية فمنهم من يُصاب ومنهم من يموت فتكون الحياة الآخِرة له خيرًا من الحياة الدنيا؛ وجدوا أننا نشعر باغتراب عن بلادنا فأرادوا أن نتذكرها، فأظهروا لنا الكراهية والعداء حتى لا ننسى فئة في تلك البلاد تكرهنا وتعادينا وتنتظر فرصة لتنقض علينا، ففعلوا فِعلَها؛ إنهم لا يريدون بنا ضررًا، نحن لم نفهم مقصدهم، فاعذروهم يا جماعة اعذروهم”.
عموماً إذا كان الاستاذ الطويل تكلّم بلغة مخفّفة وتلميحاته كانت عتابية غير مباشرة، فليس كل السوريين لديهم القدرة على حف الكلمات وتقليمها وبتر الزوائد منها حتى لا تجرح مشاعر الجهة المستهدفة، وليس كل السوريين شعراء حتى يعبروا عما يكنونه بأساليب كتابية لا تكدّر صفو أصحاب الدار الذين لم يقدروا طوال السنوات المنصرمة على معالجة مشاكل ضيوفهم بطرائق قانونية تضمن لهم الحرية والكرامة، لذا حيال الحملات الأخيرة على إخوانهم وعلى الكتابات الدالة على لغتهم وثقافتهم باتوا يُفضلون المكوث في حضرة الصمت إلى حين، وحيث أنها غدت الصومعة الأخيرة التي يلجؤون إليها كلما ارتفعت وتيرة الحرارة العنصرية في الشارع.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…