ما الذي تفاجأ به ذوو الشأن الكردي السوري؟.

عبدالله كَدّو

على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع المجال هنا لتفصيلها.
كما أن الغالبية العظمى من سكان البلاد تنتمي إلى المكون العربي، وهو ما يجعل من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، قبول قطاعات واسعة من العرب السوريين بحكم جماعات كردية لمناطق ذات أغلبية عربية واضحة. وينطبق هذا حتى لو جرى تقديم ذلك الحكم تحت مسميات وطنية عامة تخفف من طابعه القومي في الخطاب الإعلامي. وقد ظهر هذا الواقع بوضوح في محافظتي دير الزور والرقة، وكذلك في المناطق ذات الأغلبية العربية في محافظة الحسكة، التي كانت تدار خلال السنوات العشر الماضية بإشراف من حزب الاتحاد الديمقراطي، عبر قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
انطلاقا من هذه المعطيات، يبرز سؤال مشروع ينبغي طرحه على السياسيين الكرد بشأن ما جرى في المناطق ذات الأغلبية العربية بعد سقوط نظام الأسد، من تل رفعت والشهباء ومنبج، وصولا إلى دير حافر والرقة ودير الزور، ثم المركدة والشدادي وتل براك وتل حميس في محافظة الحسكة.
السؤال ببساطة هو: ألم تكن المؤشرات واضحة منذ سنوات؟
فقد رفعت مجموعات من المتظاهرين العرب في بعض تلك المناطق لافتات كتب عليها: ” لا للاحتلال الكردي “.
المفارقة هنا أن الشعب الكردي، الذي تعرض عبر عقود طويلة لسياسات التعريب والتهجير والتجريد من الجنسية السورية، وجد نفسه متهما بالاحتلال بعد سيطرة “قسد” على مناطق عربية. ويعود ذلك، في جانب مهم منه، إلى عجز كثير من أبناء المكون العربي عن التمييز بين التيارات السياسية الكردية المختلفة في سوريا.
فمن جهة، هناك الأحزاب الكردية السورية التي شاركت الشعب السوري في الحراك الثوري منذ بدايته، مطالبة بإسقاط نظام الأسد وبناء دولة ديمقراطية. ومن جهة أخرى، توجد قوى كردية مسلحة مرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي يعلن تبنيه لأفكار مؤسس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. وقد ساهم ضعف الإعلام السوري المعارض عموما، والكردي خصوصا، في تعميق هذا الالتباس.
والمفارقة الأخرى أن حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية يصرحان علنا بأنهما قوى وطنية سورية، وليستا قوى قومية كردية أو عربية. ومع ذلك، فإن التجربة السياسية المباشرة، والاحتكاك اليومي بين الكرد والعرب في ميادين العمل العام خلال سنوات الثورة، بما في ذلك تجربة الاعتقال في سجون الإدارة الذاتية، أظهرت أن الخلط بين التيارين الكرديين ظل قائما لدى قطاعات واسعة من أبناء المكون العربي، أي الخلط بين التيار السياسي المسلح والتيار السياسي الكردي غير المسلح.
وقد حرصت شخصيات ومؤسسات من الحركة الكردية السورية، وعلى رأسها المجلس الوطني الكردي، على التنبيه مرارا إلى أن صراع الشعب الكردي في سوريا هو مع النظام البعثي الاستبدادي وسياساته العنصرية والطائفية، وليس مع شركائه في الوطن من العرب والتركمان والسريان الآشوريين والكلدان والأرمن والشركس وغيرهم من مكونات المجتمع السوري.
ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن قلة من السوريين، ولا سيما داخل المكون العربي، تمتلك المعلومات الكافية للتمييز بين الكرد المنضوين في حزب الاتحاد الديمقراطي وامتداداته، وبين الكرد المنخرطين في أحزاب الحركة الوطنية الكردية السورية التي تستند إلى إرث الحزب الكردي الأول في سوريا، الذي تأسس عام 1957.
وقد استقرت سياسات هذه الحركة منذ عام 1964 على اعتماد النضال السلمي لتحقيق هدفين رئيسيين: الديمقراطية لسوريا، والحقوق القومية للشعب الكردي. وتأثرت هذه الحركة بشكل كبير بالتيار البارزاني، المرتبط باسم الزعيم الكردي المرحوم ملا مصطفى البارزاني أو ما يعرف بنهج “الكردايتي”، كما تأثرت بدرجة أقل بالتيار الطالباني نسبة إلى الزعيم الكردي المرحوم جلال الطالباني.
أما حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي أسسه أنصار حزب العمال الكردستاني بعد اعتقال مؤسسه، فقد أصبح القوة السياسية والعسكرية التي قادت عمليا وحدات حماية الشعب ثم قوات سوريا الديمقراطية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…