للتذكير وقد تنفع الذكرى

صلاح بدرالدين

ما يحدث الان من تراجعات، وردات في صفوف أحزاب طرفي الاستقطاب، ليست قدرا محتوما، او قاعدة بل استثناء، خصوصا في مجال رفض، ونبذ، وتجاهل، واذلال المقابل المختلف (بالعنف او الوسائل الناعمة) تيارات فكرية كانت، ام فئات سياسية، ام افرادا، وفي تاريخ حركتنا الكردية التي اشرف عمرها على بلوغ القرن من الزمن، صفحات ناصعة بخصوص التكاتف القومي – الوطني، وقبول البعض الاخر، والاجماع حول المشتركات بين مختلف طبقات المجتمع الكردي، نعم حركة (خويبون) كانت النموذج الأمثل في هذا المجال، كما كان التنظيم الحزبي الكردي السوري الأول صورة عكست تحالف، وتآلف ممثلي مختلف الطبقات الاجتماعية، والتيارات الفكرية المتنوعة، والمشارب الثقافية، واستجابة لمتطلبات ظروف كفاح الكرد من اجل الحقوق القومية، والديموقراطية حيث الكل يعمل من اجل نفس الأهداف التي تعبر عن مصالح الجميع خصوصا في البدايات التاسيسية.
عندما انبثق (البارتي الديموقراطي الكردي اليساري) منتصف ستينات القرن الماضي، لم تمنع – يساريته- من الانفتاح على كل الطبقات الوطنية، بل نسج افضل العلاقات مع الفئات الوطنية الميسورة، ووجهاء المجتمع، وكان معظم هذه الاطياف في الجزيرة، وكوباني، وعفرين (جيياي كرمينج)، وافراد الطبقة الوسطى في حلب، ودمشق، من أصدقاء، ومؤيدي – البارتي اليساري .
أتذكر وكنت مع رفيق الدرب الراحل – محمد نيو – في فترة الملاحقة من أجهزة السلطة، وكنا سوية في منزل احد رفاقنا بمدينة القامشلي، وجاءنا رفيق الدرب – عزيز اومري – وابلغنا ان السادة – دهام ميرو برفقة اخوته يرغبون في زيارتنا، وهم من عائلة وطنية ميسورة، ومن أصدقاء الحزب، فرحبنا بهم (الراحلون دهام، وعبد المطلب، ودياب ميرو) وخاطبنا – دهام – بانهم اشتاقوا لرؤيتنا، ودار حديث طويل بيننا حول القضية الكردية والأوضاع السياسية، ثم أضاف : نحن نحبكم، ونحترم حزبكم ونضالكم ومواقفكم المشرفة حول تقرير المصير، لانكم تعملون من اجل اهدافنا المشتركة، ويجمعنا حب واحترام مصطفى بارزاني قائد ثورة أيلول،  ولا يهمنا ان تكونوا يساريين او حتى ماركسيين، ونحن سنستمر في دعمكم كلما دعت الحاجة، نعم أتذكر ذلك واتفهم مضمون كلمات ذلك الوطني الصادق الذي رغم اختلافه معنا طبقيا، وفكريا، ولكنه يتفهم قيمة التحالف حول مشتركات أساسية في الظروف المشخصة للكرد وقضيتهم، والخلاصة كان هناك في ذلك الزمن الجميل العشرات، والمئات من هذا النموذج الأصيل .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل اسماعيل حين تتحول القضايا القومية إلى وسيلة للهروب من المحاسبة، يصبح التحريض بديلاً عن الإصلاح، ويغدو الفساد المستفيد الأكبر من الانقسام. منذ عام 2003، كان العراقيون يتطلعون إلى بناء دولة تقوم على الدستور والشراكة والعدالة. غير أن هذا المشروع اصطدم بانتشار الفساد، وضعف مؤسسات الدولة، وتغليب المصالح الحزبية والفئوية على المصلحة الوطنية. ومع كل أزمة سياسية أو اقتصادية، برز…

حيدر عمر الصّراع على السّلطة واجتماع سّقيفة بني ساعدة لا تخلو الأمم والشعوب من الصراع على السلطة، وهو صراع يؤول فيه الولاء إلى تنظيمات سياسة، ولا يلبث ضمن هذه التنظيمات أن يؤول إلى فرد من أفرادها. والإسلام الذي بدا منذ البدايات كمشروع سياسي أنه يسعى إلى التوسُّع وبناء دولة عربية إسلامية، ليس استثناءً. وقد ظهر هذا الصراع بين النبي وقريش…

شكري بكر السؤال الذي يشغل بال كل السوريين هو : ما السبب في غياب المشروع الوطني السوري الشامل الذي يؤدي بالسوريين نحو إلى إقامة سوريا لكل السوريين وبكل السوريين؟. أعتقد أن نظام آل الأسد عمل جاهدا على نشر نوعين من المرض في المجتمع السوري : الأول : الإيصال بالمجتمع السوري إلى درجة العبادة ورضوخه لمرض الأنا (الأسد أو نحرق البلد)…

عبد الجابر حبيب   “الظلمُ مؤذنٌ بخرابِ العمران” ابن خلدون   لم تكن هذه العبارةُ حكمةً تاريخيةً فحسب، وإنما قانوناً من قوانين الحياة. فكلُّ ظلمٍ، وكلُّ إهانةٍ، وكلُّ استهانةٍ بكرامة الإنسان، لا تقف آثارها عند فردٍ واحد، وإنما تمتدُّ لتفتح ثغرةً في جدار الوطن. حتى إذا كثرت تلك الثغرات، انهار العمران، وضاع الجميع. وهذا ما يُحزُّ في النفس اليوم. فبعد…