من المستفيد من حرق نسخة القرآن الكريم في السويد؟

الدكتور باسل معرواي

ليست المرة الأولى، ولكن نتمنى أن تكون الأخيرة، بعد أن تكررت تلك الحوادث من حرق نُسخ من القرآن الشريف إلى الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم، ويتركز ذلك في الدول الغربية التي تُبيح قوانينها تلك الأفعال تحت حُجج حرية التعبير …لاشكّ أنّ الردود العاطفية الطبيعية لشعوب العالم الإسلامي ومعهم جميع الشعوب الرافضة الكراهية ونبذ العنصرية والعنف وكذلك الإدانات الشكلية لبعض حكوماتها وضعف القوة السياسية للعالم الإسلامي يسمح بتكرار تلك الحوادث…فليس طبيعياً السماح بالإعتداء على أقدس الرموز الدينية لملياري مسلم حول العالم ..بينما تُجرّم تلك القوانين إنتقاد السامية أو التشكيك بالمحرقة اليهودية (بالحرب العالمية الثانية) أو إطلاق كلمة مديح بحق النازية أو تشكيل حزب شيوعي في الولايات المتحدة الأميركية..
بالتأكيد لاتُحبّذ الحكومات تلك الأفعال والتي تَضرّ بمصالحها في العالم الاسلامي وتسيئ لصورتها عند شعبها، لكنها بالمقابل قد تقف عاجزة أمام قرار لقاضٍ لايرى في عدم السماح بتلك الأفعال إلا الاعتداء على حرية التعبير التي يحميها القانون….
أما حادثة حرق نسخة القرآن الكريم التي جرت مؤخراً في السويد، لابد من الوقوف على أبعادها ودلالاتها وأهدافها …حيث انتمى ذلك العراقي التافه لأحد تشكيلات الحشد الشعبي (الشيعي) العراقي والتي زعمت محاربة تنظيم “داعش” وكان قائد كتيبة من المقاتلين السريان في سهل نينوى…بمعنى كان احد المنضوين في تشكيلات تتبع للحرس الثوري الإيراني …
وبلجوئه إلى السويد إنضم سلوان موميكا إلى أحد الأحزاب العنصرية اليمينية الصغيرة ولازال ناشطاً فيها….ومعروف مدى إختراق المخابرات الروسية لكل أحزاب وحركات اليمين الأوروبي والتي كان يأمل منها بوتين ( فيما لو نجحت مغامرته في أوكرانيا وهي لن تنجح ) بإعطائها زخماً قوياً للوصول للسلطة في بعض البلدان والإنقلاب تدريجياً على المنظومات السياسية والأخلاقية الغربية وبالتالي تحطيم الديمقراطيات العريقة ..حيث تُعتبر تلك المنظومات العدو الاستراتيجي للإستبداد الشرقي ( المتمثل بروسيا والصين وإيران ومعهم نظام الأسد المجرم)
ويُشكل إنضمام السويد للناتو ضربة كبرى لأهداف بوتين من غزوه لأوكرانيا وهي منع تمدد الناتو شرقاً إلى حدود بلاده بعد أن سبقتها جارتها فنلندا وهما الدولتان المشهورتان بحيادهما ببن الغرب والشرق في ذروة الحروب الساخنة والباردة التي شهدها القرن الماضي
بالطبع لم تُؤثّر حادثة إحراق المصحف الكريم على إتمام إنضمام السويد للحلف العتيد بالقمة القادمة لزعماء الحلف في 11 تموز الجاري …لكنها تُربك السويد داخلياً وتسيئ لعلاقاتها الاقتصادية والسياسة مع دول العالم الإسلامي وتُخفي خلف ضجيجها إحتفال الناتو التاريخي في ضَمّ السويد له
ومِمّا لاشكّ فيه أنّ بوتين الذي يَحكم بلاداً شاسعة وقليلة السكان وتفتقد للموارد البشرية الكافية حاضراً وسيزداد ذلك بالمستقبل المتوسط …حيث يبلغ عدد السكان المسلمين الروس حوالي 25 مليون وبما يقارب ال20% من عدد السكان ( اذا ما أضيف لهم عدد المسلمين المقيمين فيها من غير الحاملين للجنسية الروسية ) ..وحيث أنّ السكان المسلمين يمتازون بطول العمر نسبياً مقارنةً مع الروس..والحفاظ على شكل الأسرة التقليدية وكثرة إنجاب المواليد الجدد إذ لاتُشكّل المثلية والعلاقات خارج محيط الأسرة أي إهتمام أو رواج في مجتمعاتهم …وبوجود بحر من المسلمين في الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي السابق وتدور في الفلك الروسي الآن فإنها تشكل خزاناً بشرياً هائلاً لمخططات الرئيس الروسي الحالية والمستقبلية ..وقد ظهر للعلن إعتماده على “فاغنر إسلامية” شيشانية بقيادة قاديروف في حربه على أوكرانيا، بل قد كان سيستعمل تلك الميليشيا في قمعه لميليشيا “فاغنر” النسخة الروسية الارثوذكسية الأصلية، فيما لو تطور الحال الى ذلك المستوى من المواجهات ولازالت كل الإحتمالات واردة في هذا المجال
ومنذ بداية حرب بوتين على أوكرانيا إزداد إهتمام الرئيس الروسي بكسب عواطف مسلمي العالم لحشدهم إلى جانبه في صراعه مع العالم الغربي حيث أصدر العديد من القوانين بإعتبار الديانة الإسلامية الديانة الرسمية الثانية في روسيا ..والسماح بإقامة صلوات العيد في موسكو في الشوارع والساحات الرئيسية وفي عيد الأضحى الحالي، حيث صلى العيد 200 الف مسلم في مساجد موسكو السبعة احتضن مسجد موسكو الكبير 100 ألف لوحده…وطبع آلاف من نسخ القرآن الكريم على نفقة الدولة الروسية وكتب الإمام البخاري وغيره من الفقهاء الذين ولدوا في ما يعرف الآن بالاتحاد الروسي…
وقد لايكون من قبيل المصادفة زيارة الرئيس الروسي إلى جمهورية داغستان الإسلامية في أول أيام العيد وزيارة أقدم المساجد في الدولة الروسية في مدينة بربند الداغستانية وتوجيه التهنئة للمسلمين بالعيد وعند إهداء خطيب الجمعة نسخة من القرآن الكريم للرئيس الزائر إحتضنه بطريقة مسرحية تُدغدغ مشاعر الجمهور وقال: “إن بلادنا تعتبر هذا الكتاب مقدساً وليس كما يفعل بعضهم بحرقه” وأوعز لمجلس الدوما الروسي في اليوم التالي بإصدار بيان بإدانة حادثة حرق المصحف …
لاشَكّ ايضا أنّ المستفيد الآخر هو الخلافة الشيعية التي يُمثلها نظام ولاية الفقيه ..فمن أيام الخميني نفسه يُقدم نفسه كحامي للإسلام وخليفة للمسلمين وبدأت مع حادثة فتوى قتل سليمان رشدي ..ويُقدّم الولي الفقيه نفسه كونه نائب للإمام الغائب كخليفة عالمي للمسلمين في سعيه لتحرير الأقصى والصراع مع الشيطان الاكبر(ا لولايات المتحدة الأميركية ) والغرب عموماً بحسب زعمه وما تروج له الماكينة الإعلامية للحرس الثوري …
إلى ذلك تم الإيعاز لبعض أنصار مقتدى الصدر بالعراق باقتحام السفارة السويدية ببغداد والإعتداء عليها…
بالطبع يحاول التحالف الروسي الإيراني الوثيق والمناهض للغرب كسب الشريحة الأوسع من العالم الإسلامي وحشدها خلفهما في صراعهما السياسي مع الغرب لتحطيم النظام الدولي الحالي وإقامة نظام الغابة الدولي المنشود بالنسبة لهما.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…