قدوم ربيع مختلف على الكورداغيين.!

عنايت ديكو

لا يهمّنا ما إذا كان الشهيد “شيخ سعيدى پيران” كان يصلي بإتجاه الكعبة، أو بإتجاه جبل عرفات قليلاً ، ولا يهمّنا ما إذا كان الشهيد “سيد رضا” كان يلبس عباءة حمراء وميوله الفكرية كانت يسارية قليلاً عن السيد “شيخ سعيدى پيران “.!
ما يهمّنا هو أن هذين القائدين الكبيرين، قاوما كافة أشكال الظلم والاستبداد العثماني الطوراني، وقادا ثورة كوردية عظيمة ضد الأتراك في شمال كوردستان. ودخلا التاريخ الكوردي الناصع بأحرفٍ من ذهب.
ما أريد قوله هنا، هو أن لا نضع القضية الأساسية ووجود هذا الشعب الكوردي الجبّار وتاريخه ونضاله من أجل الحرّية، رهن المقايضات والتناقضات والصراعات والتحالفات الحزبية والسياسية المقيتة، فالقضية الكوردية هي أعلى من كل الأحزاب والتيارات والأشخاص والتحالفات والصراعات.
فما حصل في كورداغ خلال السنوات الخمس الماضية، كان محواً للهوية الكوردية وحرقاً صامتاً للتاريخ والتراث والجغرافيا، وهدماً للحضارة وللانسان الكوردي وبكل المقاييس، وهذا ما جعلنا نتعلق بالقشة وبحبل الهواء، لننقذ أطفالنا من براثن الموت والمحو والضياع.
فعندما نشاهد رفرفة العلم الكوردي اليوم فوق ذرى وزوزانات جبال كورداغ، علينا أن ندرك بأن ثمة تغييرات جيوسياسية تحصل في كامل المنطقة، وهناك اختراق سياسيى كبير يطرأ على الحالة الكوردية السورية ومن بوابتها العفرينية، وخاصة عبر فصول الزلزال العنيف الذي ضرب تركيا في العمق، وما تركه هذا الزلزال وراءه من ارتدادات مجتمعية واقتصادية وسياسية على كامل تراب تركيا والمنطقة. ونتيجة لهذا الزلزال، تحوّلت بوصلة الأولويات لدى الدولة التركية بإتجاهٍ آخر ، وبدأ التعامل مع الأحداث على الأرض بنوع من الواقعية السياسية والتوازنات القائمة، وما قدوم مؤسسة البارزاني الخيرية الى كورداغ، والتي أحدثت شرخاً في حالة الجمود واختراقاً سياسياً وعبوراً مرناً عبر شروطٍ وامكاناتٍ صعبة وشاقة، إلاّ ترجمة صريحة لتلك التوازنات والتوافقات وبلغة البراغماتيا والمصالح.
فمن منّا كان يتصور وقبل أشهرٍ من اليوم وعبر مساحات الطول والعرض في عقلهِ الباطني، بأن العلم الكوردستاني سيرفرف يوماً ومرّة ثانية فوق قمة جبال هاوار بكورداغ .!؟  لا أحد … أجل لا أحد ، لا السياسيين ولا الحزبيين ولا المستقلين ولا المجالس ولا الجمعيات المدنية والعمومية الزراعية كانت قد تنبأت برفع هذا العلم .
– فما حصل في كورداغ خلال الأسابيع الماضية ومجيء مؤسسة البارزاني الخيرية، وما رافق ذلك من تغييرات واضحة على الأرض، هو بمثابة انهيارٍ لمنظومة الرعب التي أسسها الاسلام العروبوي هناك، وهو بمثابة تأسيس لوعي جديد في كورداغ، وانفراج لعناصر وثقافة البقاء والمقاومة في التعبير عن الذات والذوات.
– فالمشاهد يرىٰ بأم عينيه، حجم التحولات على الأرض والحالة الاجتماعية والنفسية المرافقة لها عند العفرينيين في كورداغ.!
فالمسألة ليست مسألة ربطة خبزٍ أو كيس طحينٍ  أو تقديم خيمة يتم توزيعها على الناس، كما يحلو للبعض تفسيرها وتحويرها بإتجاهات أخرى.!
فالكورداغي ومن خلال مجيء هذه المؤسسة الخيرية الكوردستانية العريقة “ XÊRXWAZIYA BARZANÎ “، قد اكتسب مناعة الحياة والبقاء والمقاومة في قريته وعلى أرضه، ومن لا يصدق هذا الكلام، ليتكلم مع أهله وأقربائه الكورد في عفرين، وليتأكد هو بنفسه من وجود هذه الحالة من عدمها .!
لكن أن نحرق الأوراق جميعاً في وجه بعضنا البعض، ونتهم كل من يحاول القيام بعمل وبفعلٍ خيري وانساني، ونرفع في وجهه بعضنا ورقة الخيانة ونتهم الذي يعمل على الأرض ضمن شروط البقاء والموت بأنه يتعامل مع العدو ويتستر على الأفعال والجرائم والممارسات الارهابية التي تقوم بها الفصائل الاسلامية، هذا بحد ذاته هروب من المسؤولية التاريخية والأخلاقية، تلك المسؤولية التي تدفعنا جميعاً الى خلق أدنى درجات العمل والتعاون ودعم أي حراك كوردي صغير في  عفرين.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…