إيران .. من سيغادر ومن سيأتي!

 عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

من المفضل أن نبدأ الحديث بجملة للكاتب الشهير إرنست همنغواي، وهي أيضا نهاية للحديث إذ قال: قوة الشعب هي المنتصرة دائما في النهاية!
***
في تقدم انتفاضة شعب أرض ما من أجل الإطاحة بالدكتاتورية الحاكمة فإن وحدة القوى هي المبدأ الأساسي، لكن وجود خطوطا حمراء وخارطة طريق لمسار الحركة ونهجٍ مناسبٍ في هذه الوحدة مهم جدا ، وهذا هو السبب في أن التيار الأصيل والمسؤول دائما ما يكون مؤثراً وتحت مجهر الآخرين.
هناك إجماعٌ دوليٌ الآن يقول بأن النظام الحاكم لإيران سوف يسقط قريبا على يد الشعب، وتفكر الحكومات والشركات في الانسحاب التدريجي من إيران، وقادة النظام عاجزون عن المواجهة مع الشعب، وقوى النظام الدكتاتوري الحاكم في وضعية منهارة، والأوضاع آخذة في التغير على نحو جعل مجموعة من الأشخاص والتيارات الذين ركزوا على وظائفهم وخبراتهم وحياتهم وهم على مفترق طرق المصير ينأون بأنفسهم عن النظام ووينضمون إلى صفوف الشعب، أما خارج إيران فلم تجد  الحكومات وخاصة أصحاب سياسة المهادنة والإسترضاء التي غلب عليها اليأس طريقاً سوى دعم انتفاضة الشعب أيضا ذلك لأن انتفاضة الشعب الإيراني على الدكتاتورية الدينية دخلت الآن شهرها الثالث ومتواصلة دون انقطاع، وعلى ضوء ذلك تغيرت الكثير من المعادلات لصالح الشعب.
كذلك هناك حقيقتان أخريان يتفق عليهما الجميع، وهي أولا أن الانتفاضة الحالية هي جزء متجدد من الانتفاضات السابقة وليست منفصلة عن الماضي، وثانيا أن وضع المجتمع الإيراني لن يعود إلى الماضي أبدا، وبالإضافة إلى هذا وذاك فإن النقطة الأساسية هي أن العامل الحاسم في تحول الوضع يجب ألا يتم البحث عنه خارج حدود إيران بل في مدن وشوارع إيران.
تتوجه الآن أنظار طيف واسع من الناس والمحافل السياسية في العالم نحو مستقبل إيران، وبعضهم سعيد والآخر قلق، والبعض متفائل والآخر متشائم! هل سيتمكن الشعب الإيراني من الإطاحة بالدكتاتور أرضا وفتح باب للمستقبل؟ أم مثل الانتفاضات السابقة قمع وصمت وتدوم الدكتاتورية الدينية الحاكمة إلى الأبد ؟!

سؤال أهم
السؤال الأهم بعد التحول الكبير الذي بدأ في إيران الآن هو ما هي الحكومة التي ستحل محل النظام الحالي بعد رحيله؟ وبعبارة أخرى إن القضية المطروحة القائمة حاليا فيما يتعلق بإيران ليست بقاء نظام ولاية الفقيه واستمراره، بل بديله؟ أو لنكون أكثر وضوحا، الآن وبعد أن تم الإتحاد على إزالة هذا الدكتاتور، هل هناك إتحاد على “بديله”؟ وهذا سؤال يدُل على تقدم جدي للشعب بأمر تغيير النظام في إيران!
من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في وجهات النظر، لكن من المؤكد أن نتيجة هاذين الإتحادين ستقصر بشكل كبير من مقدار الوقت المطلوب للوصول إلى الهدف، ومن الجدير والمتوقع من القوى الأصيلة في المجتمع أيضا أن يكون لديهم وحدة في وجهة النظر حول كلا الجانبين من هذا التطور ذلك لأنها ستحقن دماء الشعب وستقصّر كثيرا من عمر الدكتاتور.
من حق الشعب أن ينتفض ويطالب بحقوقه ولهذا أيضا فإن قوى الشعب تتنفس وتحيى، ولقد أعد الشعب الإيراني أساس الوحدة للقوى بدفعه ثمنا باهظا، ومع استمرار الإنتفاضة يدفع ثمن أساس هذه الوحدة يوميا، وبهذه الطريقة دخلت حتى أكثر طبقات المجتمع سلبية إلى الميدان وانحازت إلى الناس!

الماضي مصباح طريق المستقبل!
إن النظر إلى المسار الذي تم اتخاذه سيجعل من السهل السير في المسار المتبقي وبالتالي سيسرع الوصول إلى الهدف، وبعبارة أخرى، سيقصر هذا الموقف الوقت في الوصول إلى الهدف لصالح الشعب، ولقد وصل كل الإيرانيين بغض النظر عن إنتماءات الفرد أو التيارات التي ينتمون إليها إلى درجة من النضج والنمو السياسي والاجتماعي ليخطو في هذا الاتجاه.
تبدأ خدمة الشعب الإيراني من اللحظة التي يرتبط فيها كل فرد أو تيار شعبي بنبضه وأنفاسه وخطواته بمصالح الشعب متجنبا ضلال الطريق!

إجتياز  الطريق!
وبغض النظر عن السجل الأسود للدكتاتورية الدينية الحاكمة وبرامجها وقوانينها وأفكارها المعادية للشعب، ودعونا لا نذهب إلى سنوات أبعد، فقد شهدنا في السنوات الأخيرة تصعيدات مهمة في انتفاضات الشعب الإيراني ضد هذه الديكتاتورية.
في انتفاضة الشعب عام 2017 قام الشعب من خلال ترديد شعار “إصلاحي، أصولي انتهى القصة” بإزالة أي بدائل صنيعة من داخل النظام الحاكم وألقى الشعب باللوم على علي خامنئي الذي تبنى سياسة الإنكماش وإزالة تيار”الإصلاح” الزائف، وفي نافذة عرضه لتمهيد الأرضية للمجيء إلى سدة الحكم بجلّاد كبير مثل” إبراهيم رئيسي”! 
في انتفاضة الشعب عام 2019  دخلت الدكتاتورية الحاكمة المشهد بحيلة فريدة لتسقط الإنتفاضة أرضا بها وتسفك الدماء ألا وهي سيناريو “رضا شاه طابت روحك” وهوالسيناريو الذي تم إعداده وإقراره في أعلى جهاز أمني بالنظام وتم تنفيذه بواسطة  عملاء وعناصر الديكتاتورية الحاكمة، ومس طرحهم العار وتم فضحه وتحييده بواسطة الشعب والمنتفضين الثوار.

الطريق غير المسلوك إلى المستقبل!
الانتفاضة الحالية والتي دخلنا بشهرها الثالث الآن متواصلة في جميع أنحاء إيران دون توقف، كما حُرِقت البدائل المصنوعة من خارج النظام الحاكم “تماما”، وبذلك يكون الشعب الإيراني اليوم قد دق أخر مسمار بتابوت الديكتاتورية السابقة بشعار “الموت للمستبد سواء كان شاهً أو الملالي” ووضع حد لأوهام وأحلام فلول الدكتاتورية السابقة.
وبنظرة إلى الوراء الآن نجد أن البديل الوحيد الممكن في مواجهة هذا النظام هو قوة من صلب الشعب وعدو لدود للدكتاتورية في إيران، ولقد جرب الشعب الإيراني وعانى من الأنظمة الدكتاتورية ودفع ثمنا باهظا للتخلص منها ولا زال يدفع.

الانتفاضة الحالية والبديل المستعد في الميدان!
وبغض النظر عن البدائل التي لا أساس لها داخل النظام والبدائل الصنيعة الزائفة خارج النظام لا يوجد الآن سوى بديل واحدا فقط حاضرا ومستعدا في الميدان، بديل نجح في اجتياز مختلف الاختبارات وعبر منتصرا وضمن المستقبل لنفسه، وبمعنى آخر فهو البديل الذي له جذوره في الماضي، البديل المتجذر بالتاريخ وعوده شامخا بالآفاق عريض الأوراق وقد طلت”ثمار” مستقبله ظاهرة من الآن!

تحول مهم!
في مثل هذا السياق عندما ينعقد تجمع الإيرانيين في برلين في 22 أكتوبر 2022 بحضور ما يقرب من مائة ألف شخص لا  نجد هذا البديل سعيدا وفخورا فحسب بل نجده أيضا متوجا على منصة “الفوز” يزهو لامعا كجوهرة على تاج النصر ويختم ببطلان جميع البدائل المزورة، ويختم بواقع حقيقة المستقبل لديه.
البديل الديموقراطي الذي يتجه نحو مستقبل إيران بعلم واحد، وبالشعار المحوري “الموت للدكتاتور” من أجل دعم انتفاضة الشعب الإيراني وبرسم حدود نفي دكتاتوريتي الشاه والديكتاتورية الدينية كمرآة رؤية كاملة لخط سياسي واستراتيجية صحيحة يمكنها أن توجه إمكانات المجتمع نحو مستقبل خالٍ من دكتاتورية واستبداد الشاهنشاهية والملالي، وليصبح أملا ونموذجا ناجحا لتحقيق “الاستقلال والحرية” في إيران، و “الأمن والاستقرار” في المنطقة.

خصائص البديل الديمقراطي
لقد كُتِب أو قيل الكثير حتى الآن عن خصائص البديل في مواجهة نظام الدكتاتورية الدينية الحاكمة، وما هو أساس وجود ومستقبل بديل ديمقراطي مستقل؛ هو أن يكون لديك قاعدة اجتماعية وميدانية، وسوابق واضحة في الوقوف ضد الدكتاتورية، وشرط نجاحها أن يكون لها قوة تنظيمية وخبرة إدارية ودعم دولي، وهو ما يُنظر إليه فقط في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية باعتباره أقدم وأطول تحالف سياسي موجود بالميدان.

كلمة أخيرة!
السؤال المطروح بالتزامن مع إقتراب الإطاحة بالدكتاتورية الإيرانية، هو من سيحل محل هذا النظام الدكتاتوري؟ ، كانت الرجعية والاستعمار على مر التاريخ دائما ضد مصالح الشعب الإيراني ولا زالت، ولهذا السبب أنهم لم يعترفوا أبدا بحقوق الشعب، ولا سيما الأقليات القومية والدينية والسياسية، ولقد كانوا يسعون دائما لإبقاء الديكتاتورية بأشكال المركزية أو اللامركزية، وليس بالبدائل المصطنعة فقط يريدون منع الناس من الوصول إلى حكومة وطنية وشعبية وديمقراطية وإبقاء الاستقلال والحرية بعيدا عن متناول ايدي الشعب، لكنهم يتمنون أيضا ويريدون حرمان الشعب من الإنجازات ويجعلون نتائج انتفاضاتهم محبطة أو مخيبة للآمال أو مرعبة.
 وأمانيهم غير المشروعة هذه وتلك سيلقيها الشعب الإيراني في مزبلة التاريخ في ظل ضياء البديل الديمقراطي المستقل.
*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…

أوجه شكري بداية إلى كل من أشرفوا على إدارة ” المؤتمر الأول لفيدراسيون الكتّاب الكوردستانيين في المهجر” الدياسبورا “في ” 25 تموز 2026 ” وممَّن حضروا المؤتمر من الزملاء الكتاب والمعنيين بقضية الثقافة ودورها الفاعل في بناء المجتمع، وتنوير قضيتهم للعالم، وأسهموا في دفع عجلته الثقافية إلى الأمام بنتائجه، وفي السياق، أوجّه شكري إلى اللجنة التي اختارت أسماء كتّابها الكرد…

د. فريد سعدون استقبل المحافظ وفد مربي النحل .. استقبل مدير المنطقة وفد تجار البوظة استقبل مدير الناحية وفد مزارعي البابونج.. استقبل عظيم الروم وفد رعاة البط وديوك الحبش ……… كنت أتمنى أن نقرأ : قام المحافظ بتدشين أوتستراد ديريك/ قامشلو/ الحسكة، وافتتاح مشفى الحسكة لأمراض السرطان. قام مدير المنطقة بتدشين محطة كهرباء قامشلي النووية. قام مدير الناحية بتدشين مصفاة…