إيران .. الانتفاضة الشعبية وموضوع قيادتها!

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*
إذا سمعنا من هنا وهناك بأن انتفاضة الشعب الإيراني اليوم بلا “قيادة” فهذه إحدى سمات الفترة الانتقالية ويجب التصدي والرد عليها! هل انتفاضة الشعب الإيراني فعلا بلا قيادة؟ وإذا لم تكن لديها قيادة، فكيف تمكنت من الصمود والتواصل قرابة شهرين ضد أفظع دكتاتورية إيرانية؟ الجواب على هذا السؤال لن يأخذ الكثير من(الوقت) !وأما لماذا يقولون ذلك فدعونا حقيقةً نتجاوزه الآن لما بعد!
استشهدت مهسا أميني (جينا) في يوم 16 سبتمبر 2022  بطهران على يد شرطة دورية إرشاد الدكتاتورية الحاكمة، ومن الطبيعي أن تنهض كردستان إيران مسقط رأس مهسا، وقد نهضوا وصمدوا نهوضا بطوليا وبثبات وقدموا عددا كبيرا من الشهداء أكرمهم الله وطيب ثراهم!
دور المقاومة في تشكيل الانتفاضة
إنتشرت الانتفاضة بسرعة في جميع أنحاء إيران ولم تنطفىء فحسب يتم بل تواصلت وتمددت، ومن الحقائق التي لا يمكن إنكارها هو ما أظهرته من وجود تشكيلات وتنظيمات لهذه الانتفاضة وأن لها هدفا ومصيرا محددا، وفي إيران في ظل سلطة هكذا دكتاتورية مرعبة لن يُسمع صوتا من دون “ظهير وإسناد” و “تنظيم” و “وروابط” ولذلك ومن هذا المنطلق وارتكاذا على واقع الأرض وتجارب العقود المضنية تم بالفعل إعداد حاضنة للانتفاضة من قبل ولذلك تصاعدت وتسارعت وأثمرت هذه  الدماء الطاهرة، وبعبارة أكثر وضوحا إن انتفاضة اليوم هي إستمرارا للانتفاضات السابقة وليست منفصلةٌ عن الماضي.
الدكتاتورية الدينية هي أكثرُ نوعٍ من الدكتاتورية دموية في تاريخ إيران، وتعتاش هذه السلطة منذ 43 سنة على دماء وثرات  الشعب وتعيل المهادنين الغربيين، وهذا هو السبب الذي جعل المهادنين يلعبون على الدوام دور “العقبة” أمام انتفاضة وثورة الشعب الإيراني في العقود الأربعة الماضية.
عندما نرى أن سفك دم  “مهسا أميني” ظلما بغير حق وقد أثار ذلك العالم ضد السلطة الإيرانية عندها يجب أن ندرك بأنه هذا يفيد بوجود مقاومة حاربت وناضلت وعملت ليلا ونهارا لتفكيك بساط المهادنة والإسترضاء مع الدكتاتورية الحاكمة في العقود الأربعة الماضية، ودفعت ثمنا باهظا لتغيير المعادلات بما ينفع الشعب الإيراني، وإن تجاهل هذه الحقيقة هو تضليل للمشاهد وكذلك يحمل معاني أخرى غير محمودة!

قيادة الانتفاضة ضرورةٌ لإستمرارها!
انتهى عصر الانتفاضات “العفوية” في إيران، ذلك لأن للانتفاضة “ماضٍ” ولها مستقبل أيضا يمضي قُدما، ويخبرنا التاريخ بأن الإنتفاضات “العفوية” سرعان ما انطفأت وتنطفئ، لكن انتفاضة الشعب الإيراني هذه المرة متواصلة منذ ما يقرب من شهرين دون توقف، وقد غيرت الكثير من المعادلات حتى اليوم لصالح الشعب وزلزلت عرش الدكتاتور!
إن ما نراه ونسمعه في العلن وفي وسائل الإعلام هو نسبة ضئيلة جدا من عرض الحقائق اليومية لانتفاضة الشعب الإيراني.. وخلف كواليس الانتفاضة لا تزال هناك المزيد من الحقائق التي لم تُقال بعد والتي ستُقال في حينها! والمعلومات التي كنا نسمعها أحيانا من قادة النظام، قادة النظام ومنهم على وجه الخصوص علي خامنئي والذين أطلقوا على المنتفضين منذ البداية مسميات “مثيري الشغب”و “المخربين” و “المدمر” و “مثيري الإضطرابات” وفي الوقت ذاته قال قادة آخرون في النظام إن “قادة” الانتفاضة من المجاهدين! وبعد ذلك بقليل قالوا إن هذه الأوضاع موجهة من خارج الحدود وأن لـ “الأجانب” يد فيها!
وتفسير هذه التعبيرات هو أن لهذه الانتفاضة قيادة وتنظيم لتحقيق هدفٍ محدد وهو إسقاط الدكتاتورية الدينية الحاكمة على يد  المقاومة الإيرانية وبقيادة قوتها المحورية المتمثلة في مجاهدي خلق بشكل محدد! وعليه فإن انتفاضة الشعب الإيراني ليست عفوية بل تعود جذورها إلى عدة عقود من المواجهات الدامية الثقيلة المرهقة بين الشعب والمقاومة من جهة ؛ والدكتاتورية المتسلطة على إيران من جهة أخرى، وإذا قيل أثناء ملحمة الانتفاضة وأجيجها بأن الانتفاضة “عفوية” وبلا “قيادة” فانظر وأبحث في أصل هذا الادعاء بشك وقلق وريبة!

إفتراض المحال!
وإذا أخذنا من الأساس بحقيقة مزاعم هؤلاء الأشخاص أو التيارات فإن الفائز في مشهد وميدان الانتفاضة أيضا سيكون الشعب والمقاومة الإيرانية ذلك لأنه وفقا لهذا الإفتراض المستحيل فإن”القادة” المتواجدين في الشوارع سوف يكتشفون على وجه السرعة أي الطُرق التي يجب أن يسلكوها للإطاحة بالديكتاتور في أسرع وقت ممكن، ولقد جربت المقاومة الإيرانية ومجاهدي خلق كل السبل الممكنة للإطاحة بالديكتاتورية الدينية في إيران ولديهم العديد من الإنجازات والتجارب، وبالإضافة إلى ذلك فإن لدى المقاومة الإيرانية جيش كبير من الآلاف من ” وحدات المقاومة” في مختلف مدن ومناطق إيران!
وإذا اتبعنا بعضاً من المنطق والمبادئ فسنرى حقيقة إيران اليوم وهي أنه لولا المقاومة الإيرانية ومجاهدي خلق، لما وصلت احتجاجات الناس إلى نقطة تحول مجيدة في تاريخ إيران، والآن لم تعد المقاومة الإيرانية هي التي تقول وحدها بأن أوضاع المجتمع الإيراني لن تعود إلى الماضي وأن الإطاحة بالنظام الإيراني أمر مؤكد وقريب، وعليه فإن التنظيم الموفق والمنتصر  لمسار انتفاضة الشهرين لهو خير دليل على بطلان تلك المزاعم.

فقدان القيادة أم قلة النيران!
لن يسقط هذا النظام ” ابدا” على طريقة الحركة المدنية والحلول السلمية والأساليب غير المُكلِفة ذلك لأن هذا النظام سيقمع الشعب حتى آخر ذرة من قدراته وإمكانياته محاولا البقاء في الوجود، وعليه فإن الجواب الوحيد هو الرد بـ”النار على النار” والتي نشهد إشراقتها الآن في الانتفاضة.
لذا فإن المشكلة من أجل الوصول بالانتفاضة إلى نقطة “الإطاحة بالدكتاتور” ليست في عدم وجود قيادة بل في قلة النار وإشعال ألسنة اللهب للسيطرة على مراكز السلطة، وقد قالها السيد مسعود رجوي زعيم المقاومة الإيرانية في إحدى رسائله الأخيرة: “إن الإستيلاء على المباني الحكومية ومراكز السلب والنهب هو الأسلوب الحالي الذي يجب أن يتعبه الثوار”، ويقولون أن المشكلة هي أن الانتفاضة ليس لها قيادة، ونحن نقول أن القضية الأساسية هي قلة وعدم إشعال النيران للإستيلاء على المراكز الحكومية، ومن يريد حل قضية القيادة فليطلق النيران من صوبه أكثر فأكثر على نظام الإعدامات ومجازر الإبادة الجماعية،  وعلينا أن نقاتل بذلك القدر الذي يمكننا من إغلاق معاقل الفاشية الدينية معقلاً.. معقلاً وإسقاط هذه الفاشية برمتها وإزالتها من الوجود بالكامل واستعادة إيران، وثورة إيران الديمقراطية ستنتصر”. 
ما هي المهمة الرئيسية للقيادة في هذه الانتفاضة؟
ومن هنا بما أن الدكتاتورية الحاكمة في إيران لن يتم الإطاحة بها بالطرق السلمية أبدا، فإن أصالة وشرعية كل خطوة ستحدد الثمن الذي سيُدفع من أجل إتمام عملية إسقاط الدكتاتور، ولقد صرحت المقاومة الإيرانية مرارا بقولها أننا لسنا ولن نكون  منافسين لأي حركة، ولكن في دفع ثمن وضريبة إسقاط الدكتاتور لن يصل أي طرف إلى أقدام المقاومة الإيرانية!
وبهذا الموقف رسالة مهمة لأهل المنطق والانتفاضة، وإن النهوض بالانتفاضة لهو من واجبات قيادة الانتفاضة، ويتطلب التفاني والتضحية، وأما عصر ركوب الأمواج والإنتهازية والحصاد بلا تكلفة فقد انتهى، والتحرك ضد الواقع والمنطق سيرمي بالمدعي إلى وادي راكبي الأمواج والإنتهازية!

خصائص هيئة قيادة الانتفاضة!
يتطلب تقدم الانتفاضة بساحة المعركة وجود استراتيجية وتكتيكات قتالية وخريطة طريق، والأهم من ذلك قوة قتالية وتنظيم، وإن إسقاط الدكتاتور بالطرق السلمية والنشاط المدني ليس أكثر من سراب، وتتطلب دفع ضريبة بالأرواح والتضحية والدماء،  وانتفاضة الشعب الإيراني بحاجة إلى مثل هكذا هيئة قيادية والتي يجب أن تكون مقاتلةً من أجل الحرية ودليلا في الصعاب، وكل من يدعي “القيادة” فهذه هي وهذا هو الميدان! وإذا كان هناك شخص ما أو تيار متقدما في هذا المجال فإننا لن نتحرك وراءه فحسب وكما قالها زعيم المقاومة الإيرانية السيد مسعود رجوي مراراً، بل نقدم له كل ما لدينا أيضا.
*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…