إمبراطوريات ستنهار 2/2

د. محمود عباس

عصر صراع الكارتيلات الاقتصادية، وسمات الحرب العالمية الثالثة:
 حصول روسيا على الدرونات الإيرانية، خلقت احتمالية لجوء بوتين إلى طلب المساعدات العسكرية من الصين؛ وهي التي تملك أسلحة تكنولوجية عالية التقنية، لذلك كان لابد من فتح حوار ما معها، ويرجح أن تكون زيارة المستشار الألماني قد احتضنت هذا البند، ودرست مسبقاً على المستويين الأوروبي والناتو مع أمريكا، وبعد عودته من الصين؛ ومن خلال المكالمة التي جرت بينه وبين جو بايدن، وإصدار التصريح من البيت الأبيض، تبينت بوادر ذلك، وتم التأكيد على أن ألمانيا مستمرة مع أمريكا في دعم أوكرانيا بكل إمكانياتها الاقتصادية، رغم تأثر أسواقها وشعبها الواضح من الحرب، وهذه لغة دبلوماسية على أن الطرف الذي تم الحوار معه لم يكن معارضا لمقترحات ألمانيا.
   الدول الأوروبية خلافاتها وتحالفاتها مع أمريكا متنوعة، لكنها تظل ضمن الجغرافية الإستراتيجية ذاتها، رغم محاولاتها الدائمة بالخروج إلى الساحة الاقتصادية كقطب مستقل. فبعد بقائها تحت هيمنتها غير المباشرة منذ الحرب العالمية الثانية، ومشروع المارشال، استطاعت أن تعيد سيادتها على خلفية الإتحاد الأوروبي، ومعها عادت لها الثقة بالذات، أو تجاوزت الهيمنة الأمريكية المطلقة، وهو ما أدى إلى أمتعاض إدارة البيت الأبيض، وظهرت بشكل جلي في عهد دونالد ترمب، والمؤدي إلى دعم  خروج بريطانيا من الوحدة الأوروبية بشكل غير مباشر، وحاولت روسيا الطعن في حكومة المحافظين لئلا تنجح انتخابات الخروج من الإتحاد، ورغم إن أمريكا تبين في العلن امتعاضها من القرار البريطاني، إلا إن الواقع عكسها، بعكس روسيا التي ترى في وحدة أوروبا واستقلاليتها لقراراتها أضعاف للهيمنة الأمريكية، وهو ما سيؤدي إلى أن توسع علاقاتهما الاقتصادية -السياسية.
وعلى المنحى ذاته بدأت اليابان وكوريا تتعاملان مع الولايات المتحدة الأمريكية بأبعاد اقتصادية مغايرة لمراحل القرن الماضي، حتى ولو كانت على مستوى الشركات الكبرى، وهو ما دفع بإدارة ترمب مواجهتهما بعقوبات تجارية ورفع سقف الضرائب الجمركية إلى أقصى الحدود، مستفيدة من قوة السوق الأمريكية قبل ضخامة قوة شركاتها، والإستراتيجية ذاتها هي التي دفعت به إلى أضعاف الناتو وكان ذلك ضعف لأوروبا وبالتالي ستظل أمريكا عرابة الدفاع عنهم.
 وعلى خلاف العلاقات الأمريكية مع روسيا وأوروبا، كلما تعمقت علاقاتها مع الصين ازدادت رهبة الشركات الأمريكية وتفاقم الرعب في إداراتها السياسية، لإدراكهم، واستنادا على بنية الصين الاقتصادية المتنامية والديمغرافية المرعبة، إنها المنافسة الأكثر حضورا لمصالح أمريكا في العالم وعلى وجودها كإمبراطورية، المتمتعة لعقود بمركز القطب الواحد، خاصة، وهي ومنذ أكثر من عقدين، أي بعد تحويل الصين لإستراتيجيتها الاقتصادية بشكل واسع بعد مرحلة البريسترويكا الكرباتشوفية، بدأت تغزوا الأسواق الأوروبية وموانئها بشكل ترعب أوروبا وأمريكا معا. فإلى جانب ما نوهنا إليه عن أسباب زيارة المستشار الألماني يجب أخذه هذه المعادلة بالحسبان، وهو ما دفع بالإعلام الألماني على القول أن الزيارة تخص العلاقات الاقتصادية الألمانية-الصينية، ولا علاقة للوحدة الأوروبية بها، علما أن هناك دعاية غريبة تنتشر بين الشعب الألماني مفاده أن ألمانيا ستصبح جزء من الصين، خاصة بعدما تسربت قضية صفقة شراء الصين لميناء هامبورغ.
 يفهم من هذه التحركات الدبلوماسية العسكرية، أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال الإمبراطورية المهيمنة على العالم، حتى ولو أنها بدأت تخسر بعض مواقعها، لكنها تملك القدرة على تسيير دفة الصراع العالمي من الهيمنة العسكرية-السياسية -الاقتصادية إلى الهيمنة الاقتصادية وتكنلوجيا العصر للشركات التي بدأت تتحكم في مسيرة التطور العالمي ومنها الأمريكي، وأن روسيا والصين أو دول البريكس لا يبحثان عن الظهور كقطب منافس بقدر ما يهمهم الحفاظ على مصالحهم، أو فتح المجال لشركاتها بالنمو والتمدد الخارجي والحفاظ على بعض الاستقلالية لشركاتها، والتي تفرضها عليهم جدلية التطور الاقتصادي على بنية تكنولوجية عصر الإنترنيت، وحيث زوال الجغرافيات أمام توسع الشركات العالمية، والتي جلها أصبحت شركات ذات سمات عالمية قبل أن تكون قومية، مصالحها تندمج وتتعارض خارج مصالح الإدارات السياسية للصين وأمريكا وروسيا وأوروبا واليابان والهند وكوريا الجنوبية بل ودول من الدرجة الثانية كتركيا والسعودية وباكستان والبرازيل وغيرهم. 
 والحروب الكبرى الجارية، والمحتملة أن تظهر في شرق أسيا، هي من متطلبات التطور العالمي الاقتصادي، قبل أن يكون صراع سياسي أو خلافات إيديولوجية كما كانت الحرب الباردة بين أمريكا والإتحاد السوفيتي سابقا، أو التي أدت إلى الحربين العالميتين، وكثيرا ما تقف الحوارات الدبلوماسية والعلاقات السياسية عاجزة عن الإتيان بحلول مناسبة، لأن مصالح الشركات الرأسمالية إن كانت منابعها أنظمة أو إدارات عالمية تفرض شروطها، وهي مرتبطة بغياب هيمنة إدارات الدول الكبرى، إي الإمبراطوريات السياسية-العسكرية-القومية، وظهور الإمبراطوريات الاقتصادية، وهو ما كان دونالد ترامب يعمل لأجلها، أو كان من أحد الذين تم تسخيرهم لتشييدها، وغيابه سهل توجه بوتين في الاتجاه الخاطئ، فلا نستبعد أن يكونا من بين أدوات الكرتيلات التي تدير دفة الاقتصاد العالمي، والتي كانت تسمى في السابق المافيا العالمية، أو الماسونية العالمية. 
 البشرية خرجت من أحضان ما سمي بصراع الحضارات، المصطلح الخاطئ، والذي عكس ضحالة فكرية، بتغييبه الصراع الحقيقي، الصراع بين الإمبراطوريات العسكرية السياسية، ووقفت بالضد منها المنظمات الحضارية، أي أن الصراع كانت بين الإمبراطوريات وليس صراع بين الحضارات، لتدخل، أي البشرية، في مرحلة صراع الإمبراطوريات الاقتصادية، أي كارتيلات الشركات الرأسمالية العالمية، وهي لا تختلف كثيرا عن كارتيلات المخدرات في منتصف العقود القرن الماضي، وعلى الأرجح مرحلة الصراع العصري هذا قد تمتد لعقدين وأكثر، وستخمد مع الزمن، لأنها لن تتمكن من التطور والاستمرار بدون المساهمات المتبادلة، بعكس ما كانت عليها الإمبراطوريات العسكرية-القومية أو السياسية، وخير مثال ما أصابت شركات السيارات في العالم والتي تأثرت بها جميعا وبدون استثناء.
 ولا يعني هذا أن الصراع البشري المدمر سينتهي، بل ستأخذ أوجه جديدة، وأساليب مختلفة، قد تكون على شبكات الإنترنيت، والتي بينت عن دمارها الكارثي على الاقتصاد العالمي، وعلى راحة الإنسان ومعيشته اليومية، بدرجات تجاوزت ما فعلته معظم الحروب، رغم أنها لا تزال في البدايات، فهذه بإمكانها أن تخلق أوبئة عالمية مرعبة ودمار شامل في البنى التحتية الرئيسة، وبالتالي كوارث في معيشة البشر، والتي لا يمكن أن تحدها الجيوش والجغرافيات السياسية. والغريب أن القوى السياسية الكبرى تنجر إلى المرحلة وتخسر قدراتها، وبعد عقدين أو أكثر ستصبح عاجزة أمام قادة كارتيلات الشركات الرأسمالية، فبوادر تحولها من آمرة إلى أدوات بيد الكارتيلات الرأسمالية أصبحت واضحة، فكثيرا ما يقال أن الإدارة الأمريكية ليست بأكثر من واجهة لقوى تدير أمريكا في الخفاء، ومثلها أوروبا ورغم مقاومة الإدارات الحاكمة في روسيا والصين، إلا أنها بأحزابها تنجرف إلى الجدلية ذاتها بشكل أو أخر، وبالتالي فالبشرية أمام طفرة ونقلة نوعية من مرحلة تاريخية إلى أخرى ظهرت القليل من بوادرها وسماتها حتى الأن، والحروب الكبرى الجارية أو التي ستحدث؛ هي بداية النهاية للمرحلة الكلاسيكية من التطور البشري.
الولايات المتحدة الأمريكية
7/11/2022م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…