«هل سينقلب السحر على الساحر ؟»

عبدالعزيز قاسم 

لا يمكن فصل سيناريو سيطرة “هيئة تحرير الشام” التابعة ل”تنظيم القاعدة” على منطقة عفرين المحتلة في الثاني عشر من تشرين الأول /اوكتوبر، عن الإتفاق الأخير بين النظامين السوري و التركي و غير المعلن رسمياً.
ذاك الإتفاق و الذي هو إحدى مخرجات الاجتماع الثلاثي المنعقد في التاسع عشر من تموز في طهران بين قادة كل من روسيا و تركيا و إيران.
و كما أنه لا يمكن فصل السيناريو المذكور عن تلك اللقاءات التي تلت “اجتماع طهران” ، لاسيما اجتماع سوتشي في الخامس من شهر آب/أغسطس بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتن و التركي رجب طيب أردوغان.
و بالرغم من تركيا الناتو؛ إلا أنها أقرب ما تكون و عملياً من التحالف الروسي_الإيراني و لاسيما أن تركيا كدولة محتلةٍ لمعظم أراضي كردستان فمن الطبيعي أن تشترك مع سوريا و العراق و إيران في معاداة الشعب الكردي… ، و في خضم (الثورة السورية) برزت (معارضة الفنادق والملاعق) و التي اتخذت من اسطنبول مقراً لها و سلمت مصيرها و أوراقها لأجندات تركيا و بالكامل في خندق معاداة الشعب الكردي و دون هوادة في قراءات خاطئة للتاريخ لا لشيء سوى إرضاء تركيا و التنظيم العالمي للإخوان المسلمين… !!
و من اللافت دخول ما تسمى بالمعارضة السورية من (الائتلاف و الهيئة التفاوضية) واضعةً جل طاقتها لأجندات تركيا في معاداة الشعب الكردي فغدت”طورانية أكثر من اتاتورك!!”
وفي قراءة مشهد تمثيلية تسليم “عفرين المحتلة” إلى (هيئة تحرير الشام) له أكثر من هدف و كرّدة فعل احتجاجية في المناطق الحاضعة للسيطرة التركية في عفرين و أعزاز و الباب ضد التقارب التركي_السوري و هو ما لا يرضاه “الائتلاف السوري و الفريق المفاوض له” و إجبار الأخيرة على قبول الاتفاق مع النظام السوري حسب بعض المصادر.
و حيث أنّ اجتماع طهران آنف الذكر ماهو إلا سلسلة من اجتماعات ثلاثية تُعقد في (آستانا) و تتناول الملف السوري خدمة لأجندات تلك الدول الثلاث الضامنة و بعيدة عن مصالح الشعب السوري… 
ولقد سارعت تلك الدول الثلاث لعقد اجتماع طهران بُعيد زيارة الرئيس الأمريكي (بايدن) للشرق الأوسط و مشاركته في قمة “جدّة للأمن و التنمية” يومي الخامس و السادس عشر من تموز المنصرم عقب الغزو الروسي لأوكرانيا مطلع العام الجاري… 
و بالعودة لما يدور في “عفرين المحتلة” و أطرافها فله علاقة مباشرة لهذا التنسيق الأمني الثلاثي و بإدخال تلك الدول الضامنة الثلاث “لحركة حماس” ماهي إلا محاولة يائسة لإستخدام ورقة محروقة!!
و لاسيما بعد زيارة رئيس الحركة المذكورة: (إسماعيل هنية) إلى العاصمة الروسية في الثالث من أيلول و ما أعقبتها من زيارة ل ( دمشق) في التاسع عشر من تشرين الأول الحالي في محاولةٍ لعودة الدفء لعلاقات الحركة مع النظام السوري في مهام جديدة للحركة التي فقدت شعبيتها في الداخل الفلسطيني وفق تقرير لمجلة “الإيكونوميست الدولية” ربما في مسعى لإستعادة موطئ قدم للحركة مستقبلاً… !!
و يبدو أن محور إيران بدأ يتراجع دوره في المنطقة فهاهو حزب الله ؛و قد تلقى ضربة موجعة في الانتخابات الأخيرة… و في انتخابات (2021) العراقية هُزم المحور الإيراني من جديد، وكذلك في تركيا فإن التقارير تؤكد بتراجع دور (حزب العدالة و التنمية) و ها هي الانتخابات القادمة سيضعه على المحك… 
و بالنسبة لروسيا و كقوةٍ عالمية و في”استعادةٍ لكبريائها المهدورة” في أعقاب غزوها البربري لأوكرانيا ..فهي تحاول جاهدة لزيادة نفوذها في الشرق الأوسط من خلال تعزيز علاقاتها مع إيران و تركيا ، و لربما سنشهد في قادم الأيام اتفاقاً بين النظام السوري و جماعة الإخوان المسلمين!!
و بالطبع بوساطة حركة حماس و تركيا ..و بنفس الطريقة يمكن أن تنضم جماعات إسلامية(سنية عراقية) في تحالفاتها مع الجماعات الموالية لإيران… 
و إضافةً لرسائل ناعمة تجاه إسرائيل ، مثل: (مباركة)حزب الله على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان و اسرائيل و تهنئة (حماس) على الفور لها وكما هو معلوم في السياسة الدولية فإن كل الأدوات القذرة مُباحة و بالأخص للأنظمة المستبدة لديمومة عروشها ، ولكن و بلحظة ما قد تنهار تلك التحالفات لتلك الدول المُحتلة للشعوب و الديكتاتوريات لأنها تكون قد تحالفت مع منظمات إرهابية ميليشياوية متطرفة و تبقى الكلمة للشعوب..فها هي إيران تشهد إنتفاضة عارمة تعمّ مختلف مدن إيران من بلوشستان و حتى شرق كردستان لتدكَّ حصون و قلاع (جمهورية ولاية الفقيه) و ميليشياتها الإرهابية.
ولقد أدركت شعوب إيران بمختلف مكوناتها بإستحالة العيش مع نظام مستبد ينتمي للقرون الوسطى بأفكاره و أدواته في الداخل و الخارج .
و رغم تكرار الانتفاضات الشعبية و على مدى أكثر من خمس و عشرين عاماً أدرك المجتمع الدولي مدى وحشية هذا النظام؛ فالانتفاضات الدورية في أيران باتت كالأزمات الاقتصادية الدورية في الاقتصاد الرأسمالي!
و يوماً بعد يومٍ تسقط أوراق التوت عن هذا النظام، في وقتٍ أدركت فيه القوى العظمى أن إيران أصبحت عقبة أمام السلم الدولي من خلال: تصديرها للثورة الإسلامية و سعيها لإمتلاك أسلحة الدمار الشامل”النووي” لأغراض عسكرية و إقامة كيانات عسكرية ..ميليشيات..تهدد حتى المحيط الإقليمي و بموازنات مالية ضخمة… 
إن سلوك إيران الاقليمي الهّدام سيسرع من نهايته المحتومة كونه نظام غير قابل للاصلاح و يعتمد سلوكاً خاطئاً و لغةً خشبية ترفض مطالب الشارع و لا تأبه به فالإصلاح يُعني حتمية زواله و هو يُدرك ذلك، فالحجاب رمزٌ من رموز الدولة في نظره و هو أهم من تأمين لقمة العيش للمواطنين ؛ و لا ينبغي المساس به…
وها هي الدائرة تضيق عليه شيئاً فشيئاً فالشعوب الإيرانية أسقطت نظام الشاه و ها هو اليوم بتلاحمه كفيلٌ بإسقاط (دولة العمائم) ، و بتلاحم شعوب إيران عامة و الكردي خاصة كفيلٌ بأن تنقلب الطاولة على رأس النظام و ينكشف عريه و هزاله أمام الملأ و يصدق عليه القول المأثور الذي يحصد فيه الشرير شرَّ أعماله حتى ليقال عنه : “لقد انقلب السحر على الساحر؛ فأصبح في خبر كان… !”

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…