أزمة الملالي في إيران .. والمدّ الأخطبوطي

عبدالعزيز قاسم 

   إنّ ما يبادر للمتابع لذهنية وتبريرات النظام الإيراني في قصفه للمناطق الحدودية من إقليم كوردستان، وما يحدث الآن في الداخل الإيراني، وبعد خسارة الأطراف المليشياوية العراقية الموالية لطهران إثر الانتخابات النيابية العراقية المبكرة في أكتوبر ٢٠٢١ وسلسلة هجمات قوات الحرس الثوري الإيراني ومليشياتها الإرهابية بين الحين والآخر  لمناطق في إقليم كوردستان بالصواريخ والمسيّرات المفخخة، وغيرهما بحجة وجود قواعد إسرائيلية وغير ذلك من ذرائع واهية وتبريرات لا منطقية إنما تندرج  لاستنساخ التجربة التركية في إقليم كوردستان بحجة محاربة مقاتلي حزب العمال في احتلال المناطق وزرع القواعد العسكرية.
 وتأتي الضربات الإيرانية الأخيرة والتهديد بالاجتياح العسكري في سياق اتهام ذوي العمامات السود والذين يحكمون إيران منذ ٤٣ سنة لحكومة إقليم كوردستان ودول غربية بالوقوف وراء الاحتجاجات الشعبية الواسعة والتي دخلتْ أسبوعها الرابع، والتي غدتْ تعمّ مختلف مناطق إيران وشرقي كوردستان، إثر استشهاد الفتاة الكوردية ژينا أميني في السادس عشر من أيلول والتي باتت رمزاً للثورة الإيرانية في وجه الحجاب والعمامة برغم الحملة الأمنية الدامية لقوات الباسداران والباسيج ضد المتظاهرين، ومن قطع  للاتصالات (الإنترنت) وكل ذلك بهدف خنق الثورة وعزلها عن العالم الخارجي، والتي اندلعت نتيجةً التراكمات الأفقية والرأسية  في مستوى الوضع المعيشي المتدهور للشعوب الإيرانية، وظلم واستبداد الطغمة الحاكمة… 
   في مقال سابق بعنوان ب:(ثورة “ژينا أميني” تتخطى حدود إيران) أشرتُ فيه إلى أنه ليس مستبعداً أن تتخطى هذه الثورة حدود إيران، وتنحو  كانتفاضة إقليمية واسعة النطاق في ظل استمرار الانتفاضة وتصميم وإرادة الشعب الإيراني في تغيير المعادلات الدولية والإقليمية لمصلحتها ضد وحشية هذا النظام المستبد وميليشياته الإرهابية، كما أشرتُ إلى أن  استمرارية  الاحتجاجات المناوئة لأتباع طهران ومنذ تشرين الاول 2019 والمستمرة في العراق وإلى يومنا هذا، وسط تزايد مخاوف غربية وعربية وإسرائيلية تتجاوز البرنامج النووي الإيراني  والذي يقترب من صنع قنبلة نووية، في ظل امتلاك طهران لصواريخ وطائرات مُسِّيرة وكذلك وجود ميليشيات مسلحة موالية لها بالعديد من دول المنطقة. 
  ورغم انسحاب كتلة الصدر من البرلمان العراقي لا تزال إيران تدرك جيداً أن نفوذها في العراق بات في  خطرٍ، ومن المعروف أنها لا تتخذ من العراق منفساً إقليمياً فحسب، وإنما باحةً خلفيةً لتصدير أزماتها  للمنطقة برمتها، وحتى باتت تتحكم في شؤون السلطات العراقية كافةً في ظل التراخي الأمريكي وسياساتها  تجاه العراق، ولا أدّل على ذلك من التدخّل الإيراني في سياسات الحكومة العراقية لتطال السيادية منها كالمحكمة الاتحادية العليا والبرلمان وحتى رئاسة الوزراء والجمهورية!!علماً إن الأطراف الموالية لطهران تفتقر لحاضنة شعبية ناهيك عن العراق فحسب، بل حتى لبنان، وتأكيداً لذلك ؛هو ما لاحظناه في الانتخابات النيابية المُبكّرة في العراق قبل عام تقريباً وكذلك الانتخابات اللبنانية قبل عدة شهور… 
بالعودة إلى  (ثورة ژينا أميني)، وعجز السلطات القمعية في إخمادها حتى الآن، وبخلاف التوقّعات غير المشجعة  لساسة ومحللين لم يراهنوا على ديمومة الثورة وصمودها أمام آلة القمع الإيرانية مستندين  في توقعاتهم لتلك  القوات وقمعها  لحراك الشارع ضاربةً بعرض الحائط لأية مطالب شعبية.
  وبرأيي اليوم  لن يخرج أصحاب تلك  العمامات السود هذه المرة من عنق الزجاجة وكالمعتاد … ولاسيما خروج  لبعض الدول الاوربية المؤثرة  كألمانيا وفرنسا وكذلك بريطانيا وكندا من صمتها تجاه انتهاكات وجرائم النظام، وبخاصة فيما يتعلق بفرض عواصم تلك الدول عقوبات مؤثرة مالية وقانونية كإدراج “الحرس الثوري الإيراني” في قائمة المنظمات الإرهابية …هي إجراءات رادعة أكثر قوةً ووضوحاً من الموقف الأمريكي حتى الآن.
ختاماً وكما أرى  فإن: إجراءات الدول الغربية وتوحّدها في موقف موحّد وثابت  “إن صحّ التعبير” له كبير الأثر  ليس في استمرارية وديمومة  ثورة “النساء” في إيران فقط وإنما في دخول دول عربية إلى اتّخاذ مواقف مماثلة للغرب، وبالتالي اتّساع جبهة المناوئين لسياسات طهران في المنطقة،  وما يرافقها من  تعاظُم دور إقليم كوردستان خاصةً والدور الكوردي في شرقي كوردستان وايران عامةً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…