هناك فرق بين الحوار، والالتفاف على الحوار.. قضية للنقاش (245)

صلاح بدرالدين
يعتبر الحوار من الطبائع البشرية بمعنى التواصل، وتبادل المعرفة، والتفاهم حول شؤون الحياة، وتنظيم أسس ومستحقات الحقوق والواجبات بدء من اطار العائلة ومرورا بالمجتمع، وانتهاء بالنظام السياسي، والهادف طبعا الى العيش المشترك، وإرساء العدالة، وصيانة الحقوق الأساسية، والديموقراطية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتسليم بحق الشعوب في تقرير المصير، والمساواة بين بني البشر من كل الاجناس، والألوان، والاعراق، وبين المرأة والرجل. 
  ولن يثمر الحوار او بعبارة أدق لاحوار حقيقي الا بتوفر شروط نجاحه من حرية الرأي، والعقيدة، والبيئة الآمنة في قبول المختلفين، وديموقراطية النقاش، وتوضيح الهدف الرئيسي من الحوار، والاختيار السليم لموضوع الحوار، وتوفر الآلية المناسبة لاستخلاص النتائج، والتوصل الى الحقيقة، ومتابعتها، واستكمالها، والالتزام بها في مجال التطبيق العملي . 
في الحوار السوري العام
  بعد تصفية الثورة السورية المغدورة، وخروج كيانات المعارضة عن نهجها الثوري، وتشتت وتراجع مجاميع ( الجيش الحر )، وانتشار الفساد، والمحسوبية، وظاهرة الارتزاق لمصلحة النظام الإقليمي الرسمي، والاقتتال الداخلي بين الفصائل المسلحة من اجل النفوذ، وموالاة هذه الدولة المحتلة او تلك، وتفشي النزعات العنصرية الشوفينية، وسيطرة الميليشيات على المقدرات، لم يبق امام الوطنيين السوريين خيارا آخر لإنقاذ مايمكن إنقاذه، وتصحيح المسار الا انتهاج الحوار على المستوى الوطني، لمراجعة الماضي، واستخلاص الدروس والعبر من احداث وتراجعات المراحل السابقة، وبالرغم من الدعوات الصادقة من جانب الحريصين على قضايا الوطن والشعب، فانهم يصطدمون بعقبات مانعة وفي المقدمة عدم توفر شروط الحوار الناجح حتى الان .
في الحوار الكردي الخاص 
  لابد من التأكيد ان الحوار في اطار الخصوصية الكردية هو جزء مكمل للحوار الوطني العام، وعليه فان هناك مايشبه الاجماع على أن الكرد السورييون يمرون بالمرحلة الأصعب في كل تاريخهم، ليس بسبب الظروف الاقتصادية، والمعيشية الضاغطة، ومخاطر تبعات سلطات الاحتلالات، ونظام الاستبداد، والميليشيات، وحالات القلق وعدم الأمان، والخشية على المصير، وانعدام الحرية والمستقبل المجهول،  فحسب، بل لأن أداتهم النضالية الوحيدة – الحركة السياسية الكردية – تعيش حالة التمزق والانقسام، والضياع، وتحت تأثير عوامل الفشل، والعجز عن انجاز المهام القومية، والوطنية، تتوزع أحزابها الراهنة في طرفي الاستقطاب المتصدرة للمشهد بين محاور خارجية تأتي القضية الكردية السورية في آخر اهتماماتها بسبب واقع حال البعد الكردستاني من النواحي التاريخية، والجغرافية، والوظيفية، وخصوصية كل جزء، وأولوياته في الانشغال بقضاياه الداخلية، والتفاعل مع متطلبات الانتماء الوطني – القطري – .
  لاشك ان الحركة القومية الكردية عموما والسورية بشكل خاص امام مفترق طرق، ومازالت متاخرة عن تعريف هويتها، ومرحلتها التاريخية، وتشخيص مهامها، خاصة بعد فشل دول المنظومة الاشتراكية في حل المسالة القومية في بلدانها، ثم انهيارها، وتردد الغرب الراسمالي في فهم وتفهم طبيعة نضال الحركات القومية في الشرق الأوسط وبينها الحركة الكردية، وعجز نظم الاستبداد الحاكمة بالمنطقة عن إيجاد حلول لكافة القضايا الوطنية، والديموقراطية ومن ضمنها قضايا الشعوب والقوميات المحرومة، وكذلك التطورات الداخلية ضمن صفوف الحركة القومية الكردية، والتي يغفلها الكثيرون، او يتجاهلونها وهي انتقال الحركة اوبعض تياراتها في قواها الرئيسية التقليدية ( الحزب الديموقراطي الكردستاني – العراق، الاتحاد الوطني الكردستاني – العراق، حزبي ديموقراطي كوردستان – ايران، حزب العمال الكردستاني – ب ك ك ) من مفهوم الحل الكردستاني الموحد للقضية الكردية بالمنطقة على ضوء مبدأ حق تقرير المصير، الى الحلول الوطنية المجزأة، كما هو مثبت الان في برامجها، ومسارها السياسي، وممارساتها العملية، بالإضافة الى انتقال المركز الأساسي المتقدم – إقليم كردستان العراق – من مرحلة الثورة التحررية الى مرحلة استلام السلطة وبناء الكيان الدولتي ( وهو تطور هام ومبارك ) وما لذلك من تبعات وانعكاسات منهجية، واجتماعية، وثقافية،على مجموعة المنظومة الفكرية – الفلسفية للحركة القومية الكردية والتي لم تتم التعمق فيها بعد واستخلاص عناوينها الرئيسية  . 
  كل ذلك يضاعف من أهمية الحوار بشأن حاضر ومستقبل الحركة الكردية السورية المفككة، وكيفية إعادة بنائها من جديد على صعيد تجديد وتطوير، وتفعيل العامل الذاتي أولا، ابتداء من تشخيص هويتها الفكرية، وعلائم مرحلتها التاريخية، واصدقائها، واعدائها، وخصومها،  وصياغة مشروعها، وتحديد مهامها الراهنة والمستقبلية، ومراجعة انحرافات بعض تعبيراتها الحزبوية بنظرة نقدية، وتحديد دور الطبقات، والفئات الاجتماعية، والشرائح الشبابية، والوسط الثقافي الملتزم في عملية التجديد، وبشكل خاص دور الكتلة التاريخية المنقذة، والسبيل الى تحقيق ذلك، وهو توفير شروط عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع، والآليات المتبعة لتحقيق ذلك .
محاولات الالتفاف على الحوار  
  هناك فرق شاسع بين حوار ديموقراطي حر، جاد، حول موضوع واضح ذي أولوية مطلقة، وهو  إعادة بناء الحركة الكردية السورية، واستعادة وحدتها، وشرعيتها، وانقاذها من تحكم الجماعات الحزبوية الفاشلة التي انحرفت عن خط الحركة، واعادتها الى الحضن الشعبي، والقيادة المؤهلة المنتخبة من المؤتمر الجامع من الوطنيين المستقلين، والشباب من النساء والرجال والمثقفين الملتزمين، والمبدعين، وبين حوار مزعوم يديرها من هو جزء من الازمة، ويتحكم في فرض ( لجان تحضيرية ؟! ) غير منتخبة، ومواضيع للنقاش ليست من اولويات قضايانا، وفوق كل ذلك لديه أجهزة قمع ترفض الآخر المختلف، ان قضايا الحوار الأساسية المفيدة في هذه المرحلة يجب ان تكون مثلا : أسباب فشل الأحزاب في توحيد الصف الكردي، وفي فقدان الدور الوطني للكرد، وفي انتزاع مكاسب للكرد، وفي إضاعة الحلفاء والأصدقاء السوريين، وفي دوافع محاربة ب ك ك لشعب إقليم كردستان والنيل من إنجازاته، وفي أسباب تبعية الأحزاب للخارج، وتصفية الشخصية الوطنية الكردية السورية، ودور المال السياسي في اضعاف الحركة، وأسباب وقوف الأحزاب ضد الحوار مع المخالفين لها، وأسباب رفض الأحزاب في المشاركة باللجنة التحضيرية مع الوطنيين المستقلين للاعداد للمؤتمر الكردي السوري الجامع، وقبل هذا وذاك أسباب احتلال عفرين والمناطق الأخرى، والموقف من سائر المحتلين، والعلاقات السرية مع نظام الاستبداد والموقف منه، وحقيقة دور وتواجد النفوذين الروسي، والإيراني المتحالفين مع نظام الاستبداد.
  قبل عدة أعوام تواصل معنا السيد – مارتن غريفث – رئيس  ( المعهد الأوروبي للسلام ) – وهو الان وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية – وبعد عدة لقاءات  ارسل لنا اقتراحا مضمونه الدعوة لعقد لقاء حواري ثلاثي ( ب ي د و الانكسي، وحراك بزاف ) لمناقشة الوضع الكردي السوري وسبل التقارب بين الأطراف على ان يتولى الاتحاد الأوروبي رسميا الاشراف في حال نجاح اللقاء الاولي، فمن جانبنا رحبنا بالمقترح، ورفضه الطرفان الآخران، والان ومن اجل استكمال الالتفاف على الحوار يزيل القائمون على ( لقاء القامشلي التشاوري ) اسم مؤسسة ( اولف بالمي ) على دعوتهم، علما ان حراك ” بزاف ” اول من اطلق تسمية اللقاءات التشاورية على الحوارات منذ عشرة أعوام، والتي بلغت حتى الان اكثر من مائة وعشرة من اللقاءات  التشاورية .
   وحتى تكون الأمور واضحة أحيي العديد من الشخصيات وبينها أصدقاء أعزاء من النساء والرجال الذين شاركوا في تلك النقاشات وطرحوا وجهات نظرهم قدر المستطاع، وختاما يجب القول ان الأولوية الان وفي هذه المرحلة الأكثر خطورة للحوار لترتيب البيت الكردي، وإعادة بناء الحركة، والبدء بتشكيل لجنة تحضيرية من غالبية وطنية مستقلة ومشاركة الأحزاب للاعداد للمؤتمر المنشود، وهذا ليس الطريق الوحيد لإنقاذ وتجديد الحركة الكردية فحسب، بل أيضا السبيل لخروج أحزاب طرفي الاستقطاب من المأزق الذي هي فيها .
  والقضية قد تحتاج الى نقاش 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…