لا جريمة بدون إرادة إلّهية

د. محمود عباس

 غياب العدالة الإلهية أو التماهي مع البشرية، مهدت لهيمنة الطغاة والمجرمين على الأرض، وأضعفت الإيمان بأحكامها وفاقمت الرهبة من البشرية، كما والتناقض بين النص والنص وبينها وبين الدساتير، مهدت الاختلاف في المفاهيم والمعتقدات، وسهلت الدمار الكارثي، كالذي حل بشعوب سوريا والعراق، من الكورد والعرب، الإيزيديين والمسيحيين والمسلمين، فتكرس المطلق التالي أو مقاربه: البشرية محكومة بالقتل، ولا يهم الإنسان إن كان إرادة إلهة أو حكما بشرياً، وفي الحالتين تعني إما أن الإله تغاضى في العقود الأخيرة عن جغرافية شرقنا، أو سلم مصيرهم إلى البشر الأبالسة على الأرض، وهو ما أدى بنظام بشار الأسد، وقادة المنظمات التكفيرية بالتباري على القتل والنهب والتهجير وتجويع البقية الباقية من المجتمع السوري، وشعوب المناطق الأخرى، حتى تلك التي كانت آمنة، وخارج سيطرة النظام، كعفرين وكري سبي وسري كانيه، ومناطق إدلب.
على قدر ضعف المجتمعات في كوردستان وسوريا والعراق أمام طوفان القتل والجرائم تتعالى صرخات الاستنجاد بالعدالة الإلهية الغائبة، متناسين من الألم والبساطة، أن السائدة التي سنتها القوى السياسية المعارضة شرعت فظائع الإرهابيين التكفيريين، ومثلها أحكام القوى الدولية المعنية بالقضية السورية؛ سمحت لعائلة ديدنها الإجرام بأن تستمر في الحكم، ولتواطؤهم تمادى سفاح تلك العائلة، بشار الأسد مع حاشيته، والقوى التكفيرية، على تدمير الوطن، وقتل قرابة نصف مليون سوري بريْ، وتشريد نصف الشعب، والإتيان على المقدسات؟ والأبشع ما تم بحق المكون الإيزيدي الكوردي؛ والمسيحيين، أبناء أعتق الديانات في المنطقة.
هل الله عاقب السوريين والكورد لأسباب لا قدرة على البشر على معرفة خلفياتها؟ أما إن هذا القول هو منطق الإنسان الناقص أمام جدلية الخالق، كتكوينه للجنة والجهنم، وخلق الخير والشر، الذكاء والغباء، الفرح والحزن، الولادة والموت؟
هل لنا أن نتحدث عن حكمة الله في كل هذا الدمار والقتل، إن كان له منها حكمة؟ وهل الإله على مقاس الأديان السماوية-الأرضية؟ أم على مقاس الكون الغائب عنه الأبعاد الزمكانية؟
  وإن كان على مقاس النصوص المقدسة فما هي حكمته؟ بتسليط أجرم نظام وأقذر معارضة عليهم، مقابل حكومات حضارية ديمقراطية تنعم في كنفهم شعوبهم والمهاجرين إليهم كالشعوب السورية؟ 
هل هناك حكمة بالسماح للدول الإقليمية المتاجرة بمصير المجتمع السوري على منصات المحافل الدولية؟ هل كان مجتمعا شريرا، كالأقوام التي انقرضت؟  فسلط عليهم ما يستحقونه، بناء على حكمة الحديث الضعيف المطعون فيه (كما تكونوا يولى عليكم) والحديث يبرأ الطغاة والأنظمة الفاسدة، ويعكس ضعف الإنسان أمام الواقع، ليوجه أبصاره إلى القوى الإلهية، بعد عجزه عن مجازاة المجرمين، وهنا يتجلى الضعف الإنساني بأبهى صوره، أي الاتكالية على قوة خارقة لم تفعل شيئاً لإنقاذه.  
ما هي الحكمة هنا بتسليط الشر على السلام، والقتل على الأمان، وهل حقاً لا قدرة للبشر على الإلمام بها؟ أم إنها أحكام بشرية أكثر من معروفة؛ والإلهية غائبة أو معدومة، وإلا فأية حكمة في قتل الأطفال والنساء والشيوخ؟ 
 جدلية الإيمان بالقدرية أو الجبرية سمحت لكل التأويلات الساذجة حول حكمة الإله من إغراق البشرية في الجريمة، والتماهي أمام الواقع السوري المأساوي، بل وأمام مماثله طوال التاريخ البشري. 
إن كان كفرا فهو ليس بقدر كفر ما تم بحق هذه الشعوب، وإن كان حكما ساذجا فلا بد من أن العقل البشري ملك قدرة التمييز بين الحق والباطل في مملكته على الأقل، فقتل الأطفال والنساء بالجملة، وسبي شعب بكامله، باطل أي كانت الأسباب والدوافع.
 بناءً على النص وأحكامه، رسل الأديان وناشريه ومبشريه أكثر الناس تحفيزاً للكوارث، بدأت جرائمهم منذ النشوء وستستمر على عتبات ديمومة الدين بالقوة أو الفتوحات إلى نهاية البشرية، وما زلنا نتقاتل دفاعا عما جاء به الأنبياء، والتي لا تقل عن بشائع السياسيين الذين خلقوا الحروب المبنية على الإيديولوجيات والنظريات الفلسفية، والإستراتيجيات العسكرية-السياسية، وتدل على عدم فهمنا الدقيق لمغزى ما جاء به المبعوثون، والتي أدت إلى ظهور الآلاف من التأويلات الهشة والمتناقضة للنص. فهل النص مطعون فيه أم التأويلات غارقة في النفاق والدجل الإنساني؟ فحتى وبناء على النص وبعض التأويلات دون فتاوى المنافقين، لا بد وأن يكون مصير كل من شرع وبشر ومن وضع أسس هذه الجرائم، وأقدم عليها، الجهنم، وبالمقابل لا بد وأن يكون ضيوف الجنة هم قادة المنظمات الإغاثية والإنسانية، والأدباء، والفلاسفة، والفنانين. وأية حكمة إلهية إن كان العكس؟
  الشعوب السورية وكوردستان والعراق، يعانون من غياب الأحكام الإلهية، وهيمنة الأشرار المتحدثون باسم الله، الذين يقفون في وجه المنظمات الإغاثية الإنسانية، ويفرضون أحكامهم تحت عباءة الأحكام الإلهية على أعدل الأحكام البشرية، تثبت الجدلية، مثلما هو مؤكد للإنسانية على أن أعمال هذه المنظمات الإغاثية الحضارية أرحم من الكثير مما جاء في النص وحملتها، فأية حكمة في هذا التناقض؟ 
 أفعال أي الطرفين هي حكمة إلهية ومسنودة على النصوص العنفية واللا عنفيه؟ هل هؤلاء كفار ومصيرهم الجهنم، وقادة المنظمات الإسلامية التكفيرية، وسلطة بشار الأسد، الذين لهم قول في الشهادة فيوعدون بالجنة! ويتم التناسي الإلهي عما خلفوه من الدمار والمعاناة، وأذاقوا الشعوب السورية الجحيم وهم أحياء، هل الشهادة والنطق بالإيمان، كاف، حسب أحكام النص الديني؛ بنهاية إيمانية، أية حكمة إلهية في سيادة الإجرام على الرحمة، الشر والأشرار على الأخيار؟
الولايات المتحدة الأمريكية
15/7/2022م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في مقالتها الأخيرة بالعربي الجديد ( عن نقاش المواطنة والأقليات في سورية ) ٥ \ ١ \ ٢٠٢٦ ، تعتبر الكاتبة السيدة سميرة المسالمة ” انني قولت مالم تقلها ” في ردي المعنون ” اعلى درجات التمثلية القومية ” المنشور بتاريخ ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ ، على مقالتها السابقة : ” “مواطنون في دولة سورية… لا مكوّنات ولا أقليات”…

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…