السيادة الوطنية المفقودة في سوريا

 فدوى حسين

وحدة الأراضي السورية، الشعب السوري الواحد، سوريا قلعة الصمود والتصدي ودولة المقاومة والممانعة، شعارات رنانة أرضعنا إياها النظام السوري منذ نعومة أظفارنا، حتى بتنا نراها في أحلامنا، شعاراتٌ مارست السلطة كل أنواع القمع والاضطهاد والفساد تحت مظلتها، شعاراتٌ انهارت الواحدة تلو الأخرى وعلى يد من اختلقها، ولمع صورته بها.
 فالأزمة السورية والحرب الكونية عليها أثبتت زيف هذه الادعاءات، فمع بدء الثورة السورية الساعية للكرامة، انهارت مقولة الشعب السوري الواحد الذي تحول الى طوائف ومذاهب وجماعات أثنية وقومية متصارعة تحركها أصابع للنظام تغلغلت بينها وزرعت الحقد فيها، وزرع بين فئاته آلاف المرتزقة والمتطرفين والمجرمين دخلوها من كل حدب وصوب تحت شعارات الجهاد والمقاومة،. 
فتمزق النسيج السوري الواحد، وخُضبت لوحته الفسيفسائية بالدماء والتخوين، فتمكن النظام من إيجاد الشرخ بين مكونات الشعب السوري وضربه ببعضه ليسهل السيطرة عليه ومنع أي وحدة صف تقف في وجهه، والأرض السورية الواحدة باتت كعكة يقتسمها النظام مع حلفائه الساعين إلى إبقائه أكبر قدر ممكن للمحافظة على مصالحهم في المنطقة، واستمرار نزيف التنازلات ساري المفعول، فالنظام الذي تخلى يوماً عن لواء اسكندرون لتركيا والجولان لإسرائيل بغية تثبيت سلطته مستمر في سياسته للبقاء على قيد السلطة أكبر قدر ممكن، وما جرى في عفرين وتسليمها لتركيا دليل على ذلك، حين تركتها لقمة سائغة للمحتل التركي الذي قتل وشرد ودمر وعاث فيها فساداً ورفع علمه فوق مبانيها، وأعلن عن الحاقها إدارياً بولاية هاتاي التركية، كل ذلك على مرأى ومسمع النظام الذي لبى نداء القوات الكردية المقاومة هناك بمجموعة من المرتزقة بأسلحة خفيفة معطوبة، لم تفعل شيئاً سوى التقاط بعض الصور التذكارية في قلب المدينة رافعين أعلام النظام، أما قطعات الجيش والمدافع وطائرات الميغ فبقيت مهمتها محصورة بدك المدن السورية فوق أهلها.!.
 كل هذا وإعلام النظام وأبواقه يهتفون بالنصر، ويتغنون بالسيادة الوطنية، تلك السيادة المنتهكة من قبل الدول اللاعبة في المنطقة والتي يسعى كل منها إلى إيجاد موطئ قدم لها ضمن معادلة المصالح، فتتسابق الى بناء القواعد العسكرية ومناطق نفوذ ومحاصصة على الخريطة السورية، وتصارع تلك الدول على مصالحها فوق الأراضي السورية ذات السيادة المفترضة، فالضربة التي قادتها أميركا بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا كان لردع روسيا وتفردها بالمنطقة، متذرعة باستخدام النظام السلاح الكيماوي ضد شعبه الذي ُقتل وُشرد بشتى الوسائل والأساليب دون أن تحرك هذه الدول ساكناً سوى التنديد ورسم خطوط حمراء في الهواء، وكذا الضربة الإسرائيلية لأكثر من خمسين موقعاً إيرانياً في سوريا لردع التمدد الإيراني في سوريا والحفاظ على الأمن الإسرائيلي. 
سوريا التي أصبحت سماؤها أشبه بمبنى الأمم المتحدة ترفرف فيها عشرات الأعلام للدول التي تتقاسم السلطة والنفوذ فيها هذه الدول ذات المصالح المتصارعة، والمسرح الأراضي السورية، والممثلون هم الدول الكبرى  والكومبارس، هو الشعب السوري بمختلف فئاته وأطيافه.
فأي وحدة وسيادة تغنى بها النظام السوري لأجيال .؟!..هنا ما يمكن قوله : إن الحقيقة الوحيدة في سوريا وبعد دخول أزمتها عامها الثامن، أن الشعب السوري واحد في نيل حصته من القتل والتشريد وأن السيادة هي لآلة القمع والظلم والدمار، وقلعة الصمود والتصدي هي لكل من يحاول النيل من النظام وسلطته، فسوريا اليوم هي محرقة كبيرة أعدها النظام الدولي بالتعاون مع النظام السوري زادها ووقودها الشعب السوري الواحد.
صحيفة كردستان العدد 584

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…