المقاومة الشعبية في إيران وأوكرانيا روابط ووجهات نظر!

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

تمكنت مقاومة الجيش والشعب الأوكرانيين حتى يومنا هذا من جعل أحلام القوى المعتدية على دولة أوكرانيا كمخطط  من سراب كُتِبَت على وجه الماء، وكبدوه خسارة فادحة بالأموال والأرواح، وحفزت العالم على دعم مقاومتها المشروعة، لم يتخلى رئيس الجمهورية الأوكراني المنتخب عن شعبه فحسب بل أصبح هو نفسه عاملا من عوامل الدافعية والوحدة والثبات لشعب ذلك البلد ذلك لأنه اعتمد منذ البداية على شعار “لا أحد يأكل” فأصبح بسرعة “البطل القومي” لشعبه ووطنه!
نتذكر جميعًا أن مسار المواقف الأولية للدول والتوجه للرياح العالمية عامة باتجاه الحكم على رئيس جمهورية  أوكرانيا السيد زيلينسكي بمغادرة بلاده والذهاب إلى المنفى، لكنه اختار السباحة ضد هذا التيار مفضلا المقاومة على مغادرة البلاد ومعلنا: “إن الناس يدافعون في كل مكان، وحتى بدون سلاح، وها هو شعبنا مسلح بسلاح الشجاعة والشرف، وعليه يجب أن يقال عليه في هذا الموقف على الأقل بإن لديه القدرة على الصراخ: أنا صامد هنا وهذا هي أرضي ولن أعطيها لأي شخص، كل إمرأة ورجل أوكرانيين احتجوا بالأمس في المدن المحتلة وسوف يتظاهرون اليوم وغدا هم أبطال … إنهم لا يعلمون أننا لا نخشى العصي والهراوات والدبابات والرشاشات، ونعلم في نفس الوقت بأن الحق معنا…. ويجب أن تعلموا أنه مع كل يوم يسوده الثبات  والمقاومة تدور الأوضاع لصالحنا”.
وقالت السيدة “آنا ماليار” نائبة وزير الدفاع الأوكراني مخاطبة الشعب الأوكراني: “هذه ليست مجرد حرب  وإنها هي مهمتنا التاريخية”، ومازلنا نحن الان في ذروة القوة والوحدة الوطنية”.
لقد مضى الآن ما يقرب من شهرين على بدء المقاومة في ذلك البلد، اعتمد السيد زيلينسكي الخيار الصحيح الصلب الذي اتخذه للوقوف إلى جانب شعبه على الاختيار، ومن خلال خياره هذا يحقق توازنا للقوى العالمية  لصالح شعبه، وبالتالي  فإن هذا انجازا للمجتمع البشري المعاصر، وفي هذا الصدد كان موقف رئيس الجمهورية الأوكراني بشأن عدم كفاية العقوبات الدولية ضد القوة المعتدية وضرورة توسيعها، وكذلك مطالب  معاونيه موضع ترحيب متزايد من المجتمع الدولي.
وبعيدا عن الرؤى المحدودة والمصالح الآنية وقصر نظر بالتحليل الفكري والطفولي لموقف الشعب الأوكراني من المقاومة أثبتت ملحمة مقاومة الشعب الأوكراني مرة أخرى حقيقة أن “القوة التي تبدو في الظاهر صغيرة” يمكن أن تصبح “قوة عالمية مقتدرة” وذلك باختيار “المقاومة على الإستسلام”لتتمخض هذه الحقيقة وتتجلى في شعار “يمكن وينبغي” الذي ترفعه وتتبناه المقاومة الإيرانية بوضوح لمواجهة أفظع ديكتاتورية في تاريخ إيران على الرغم من سياسات الاسترضاء العالمية و”أنصارها السريين غير المحدودين”، وصمت وتقاعس المجتمع الدولي في مواجهة جرائم هذه الديكتاتورية، وبفضل المقاومة الشعبية الإيرانية لم يتمكن  من الوصول إلى الإستقرار، وسيكون سقوطه  في مقدمة الأولويات على يد الشعب والمقاومة الإيرانية.
قوة المقاومة المشروعة قوة لا تقهر، وتاريخ الدول تكتبه الشعوب والمقاومة وليس أنظمة دكتاتورية عابرة! المقاومة والصمود على ذلك تجعل قوة المقاومة سرمدية وأكثر ارادة وعزما كل يوم، وبزرع طريق مستقبلها  واستمرار مسير نفس  هذا التوجه لن يكون أمام الحكومات خيارا سوى تصحيح سياساتها واستراتيجياتها، وسيتم تقسيمهم عمليا كقوتين متعارضتين من حيث المهام والتكليف.
والحقيقة هي أن مقاومة الشعب الأوكراني صدىً لحركات المقاومة في دولٍ منها إيران التي تئن تحت حكم نظام الملالي، وللمقاومة حياة وقيما تختلف اختلافا كبيرا عن الحياة العادية، وأوكرانيا من أحدث الدول التي تُجرب مثل هذه القيم، وبهذا الصدد نرى رياضيين وفنانين ومن مختلف فئات أبناء هذا البلد من وزراء إلى نواب وعمال وكادحين يحملون السلاح وينضمون إلى ميدان المقاومة!
يمكن رؤية انعكاس انتصار مقاومة الشعب الأوكراني بوضوح في وجه وبرنامج وسياسة القوى المعتدية،  ويشهد الجميع الآن كيف دحرت هذه المقاومة القوة المعتدية بشكل مخجل ودفعتها إلى مفترق طرق تقرير المصير وذلك بجعلها في موقف “تقبل فيه الهزيمة وتتراجع عن مواقعها الأولية، أو استمرار الجرائم والدمار في أوكرانيا”، وهو في كل الأحوال انتصار للشعب والمقاومة، وبالنظر إلى مواقع القوة المعتدية في الشهرين الماضيين يمكن تحديد الطرف الفائز والخاسر في الميدان بشكل جيد؟
فقد النظام الإيراني لعاب فمه منذ غزو التراب الأوكراني، واعتبر ذلك “وجبة” له كحروب الخليج وأفغانستان واليمن أو فيروس كورونا، وقد تضرر الآن بشكل مضاعف من هذا العدوان، وأصبح في مصاف أعداء الشعب الأوكراني.
وقالت السيدة مريم رجوي في كلمتها بمناسبة بداية العام الإيراني (نوروز): بكل حال من الأحوال نعاني  ونتألم نحن وشعبنا الأسير بين مخالب نظام الولاية الذي قام بابادة جماعية لنصف مليون مصابا بفيروس كورونا، كما نتألم ونعاني من حجم الدمار والتشريد الذي لحق بالشعب الأوكراني، لكننا ما زلنا نحيي نوروز ونرسل السلام والتهاني والتبريكات إلى وطننا كعلامة ووعد بنهاية جميع الأحزان والآلام. 
وبينما أدانت دول العالم الديمقراطي بالإجماع تقريبا غزو أوكرانيا، فقد قمنا نحن بفضح نظام الملالي الذي شكل جبهة علنية للدفاع عن هذا الغزو، مما يؤكد عزلته في العالم أكثر فأكثر، وأرسل علي خامنئي بدءا من  وزير خارجية نظامه أمير عبد اللهيان لإلقاء اللوم على حلف شمال الأطلسي  واصفا اياه بأحد العوامل الدافعة  لهذا الهجوم، وبعد ذلك وفي خطوة غير مسبوقة قال إبراهيم رئيسي لبوتين عبر الهاتف: “إن توسع الناتو يشكل تهديدا خطيرا لإستقرار وأمن الدول المستقلة في مناطق مختلفة “.
لم تأتي رؤيتنا لعداوة نظام الملالي الهستيرية ضد شعب أوكرانيا وخاصة رئيس الجمهورية المنتخب لهذا البلد من فراغ حيث تتعرض المقاومة في هذه الدولة إلى الهجوم بشكل يومي من قبل نظام الملالي. 
*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…