نظام ولاية الفقيه والأوضاع المتفجرة بالمجتمع الإيراني! نظرة على انتفاضة المعلمين والتربويين ضد النظام الحاكم في عموم البلاد!

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

لا يزال أثر انتفاضة الفلاحين ومواطني أصفهان والمحافظات المجاورة قائما، ولذلك لم يستطع النظام المتسلط على إيران أن يدير ظهره على تجدد إنتفاضة المعلمين والمثقفين ضده مرة أخرى.
إن ما يحدث في إيران الآن لدليل على حقيقة “الظروف الثورية” بالمجتمع، وأنه على الرغم من الأعمال الوحشية للنظام الحاكم فإن الانتفاضات الشعبية مستمرة بشكل متواصل وتتضائل الفواصل الزمنية أكثر فأكثر بين تلك الإنتفاضات كل يوم، وقد قُرِعَت نواقيس الخطر الجدية في جميع المدن والشوارع ضد نظام ولي الفقيه الحاكم في إيران.
احتج المعلمون والتربويون الإيرانيون في ديسمبر من هذا العام على الأوضاع المعيشية المتردية وتدني حقوقهم مما دفعهم إلى الإضراب والإعتصام، والمطالبة بتحرير المعلمين والتربويين المحتجزين عازمين على الثبات  ومواصلة تأجيج الاحتجاجات.
في التجمع الوطني للمعلمين والتربويين برزت إحدى أشكال “الظروف الموضوعية” كمقتطفات من إستبداد وظلم ونهب النظام الحاكم وامتدت واتسعت إلى أكثر من 200 مدينة في أنحاء إيران رفعوا فيها شعارات: ” نادي أيها المعلم، اصرخ وأطلب حقك” و ” يجب الإفراج عن المعلم المسجون “.
المسيرات والمظاهرات الحاشدة للمعلمين والتربويين على مستوى البلاد أعلى من سابقاتها هذه المرة سواءا من حيث عدد المشاركين أو من حيث شعاراتهم النوعية ذات المدارات العالية المتنامية أكثر من ذي قبل، الأهم من ذلك هو تجدد ثورة المعلمين والتربويين بعد الانتفاضة الكبرى لمواطني أصفهان وفي الوقت الذي كانت فيه قوات النظام القمعية في حالة التأهب والإستعداد لأن علي خامنئي يعلم جيدا أن أي تجمع حتى ولو كان صغيرا يمكن أن يعمل بمثابة “شرارة في مستودع بارود”.
ويظهر التجمع الوطني للتربويين دلائل تضامنهم وتكاتفهم وتنظيمهم، وكذلك يظهر الحركة التي لا تزال تتمتع بنفس الأغلبية البالغة 96 في المائة تلك التي اعترف بها من قبل الحرسي محمد باقر قاليباف رئيس مجلس النظام الحالي حيث قال إن أربعة بالمائة فقط من سكان إيران البالغ عددهم 85 مليون نسمة مع السلطة الحاكمة في إيران الحالية!
 إن الظروف الثورية المتفجرة في المجتمع اليوم لحقيقة صعبة، لكنها أظهرت تضامن مختلف شرائح المجتمع الإيراني في مواجهة النظام الحاكم كـ “عدو مشترك” للشعب الإيراني بأطبائه ومعلميه ومثقفيه ومزارعيه وعماله، إلخ ، الذين وصلوا تحت وطأة الفقر الناجم عن حكم الملالي إلى نقطة الانفجار، واصطفوا في مواجهة الديكتاتورية باحتجاجاتهم وانتفاضاتهم المتواصلة.
وفي ظل هذا التضامن والوحدة لم يعد بإمكان النظام الديكتاتوري الحاكم إيقاف هذه النهضة الكبرى للمجتمع الثائر الهائج سواء سعى إلى ذلك بالقمع وبالتهديد والوعيد والحيل الفارغة والسجن والقتل، فكل احتجاج يتم إسكاته يصبح بذرة احتجاج أخرى من نقطة أخرى وتتسارع توقيتات التظاهرات والانتفاضات لتقترب من بعضها البعض لتبلغ في نقطة ما مبلغ من الرشد اللازم لقيام انتفاضة وثورة عامة.
ومن المظاهر والعلامات المميزة لتجمعات المعلمين والتربويين أنها قامت في بعض المدن دعما وتضامنا مع ثوار أصفهان الذين تعرضوا لإستهداف أعينهم ببنادق حرس النظام وعناصر الحكومة، حيث قام المعلمون والتربويون المتظاهرون بعصب إحدى أعينهم بشكل رمزي تضامنا مع أولئك المتظاهرين الذين فُقِأت أعينهم برصاص النظام الفاشي.
جانب آخر من مظاهر هذه الانتفاضة التي عمت البلاد هو حقيقة أن التربويين إلى جانب التأكيد على مطالبهم وحقوقهم المفقودة قاموا على الفور بتحويل هذه الشعارات إلى شعارات سياسية هاتفين منادين “يجب إطلاق سراح المعلم المسجون”.
على الرغم من أن عدد التربويين الإيرانيين يبلغ مليون نسمة إلا أنهم يشكلون مصدر رعب وذعر للنظام الحاكم ذلك لأنهم مرتبطون بتعداد بشري ثوري قوامه 15 مليون طالب، والطلاب هم الأساس في أي نهضة وانتفاضة للشباب الثائر، يرى قادة النظام بأم أعينهم أن كل مدرسة بات بالإمكان تحويلها إلى معقلٍ للحرية.
وتجدر الإشارة إلى أن نظام الملالي كان قد وعد في الجولة السابقة من احتجاجات المعلمين بوضع خطة التصنيف الوظيفي للمعلمين ومطالبهم على أجندة مجلس النظام، لكن حقيقة الأمر أن هذه الخطة كانت تنتقل من هذا المجلس إلى المجلس الذي يليه لأكثر من عقدين من الزمن من إصلاحها وتصويبها لكن شيئا لم ينجز من أجل حقوق المعلمين والمثقفين.
السبب شيئا واحدا وليس أكثر، وهو أن النظام الديكتاتوري الحاكم قد سخر ثروة الشعب الإيراني كتكلفة لإدامة مؤسساته القمعية والمشاريع النووية المضادة لمصالح الشعب، وكذلك المشاريع الصاروخية ومشاريع الطائرات التفجيرية المسيرة، والقوات الإرهابية العميلة للنظام بالمنطقة، ولهذا السبب لا يريد هذا النظام ولا يستطيع الاستجابة لمطالب الشعب وحل مسألة دفع الحد الأدنى من أجور المثقفين والعمال والممرضات وبقية فئات الشعب.
لذلك فإن ما يحدث في إيران بالسنوات الأخيرة هو مواجهة وطنية شعبية ضد النظام الدكتاتوري الحاكم، النظام الذي يسعى إلى إرتكاب جرائم القمع والقتل الوحشي للقضاء على الانتفاضات الشعبية والاحتجاجات  وإطفائها بأشكال مختلفة، لكن حالة المجتمع المتفجرة التي كالنار تحت الرماد قد تجلت في أشكال مختلفة وأغلقت طريق العودة إلى ما كان أمام هذا النظام.
لقد خاطبت المقاومة الإيرانية على لسان رئيستها المنتخبة السيدة مريم رجوي المعلمين والمثقفين الأحرار الذين انتفضوا في جميع أنحاء إيران قائلة إن “خامنئي ورئيسي” وبوجود كابينة حكومة الحرس الجلادين الإرهابيين هذه سيهدرون ثروة الشعب الإيراني في إنتاج القنابل والصواريخ والطائرات المسيرة ويبقون المعلمين كبقية فئات المجتمع تحت خط الفقر، وأن ” السبيل الوحيد لمواجهة هذا الظلم والإستبداد هو الانتفاض والنهوض، فالفقر والفساد والغلاء والتمييز والظلم لا ينتهي إلا بالرفض الكامل للديكتاتورية الدينية وإرساء الديمقراطية وحكم الشعب”.
*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خبر صحفي : أصدر آل عبدي الهدو في أوروبا بيانا هاما موجها إلى جميع عشائر المنطقة المقيمين في أوروبا، تضمن قرارا جماعيا يقضي بإلغاء جميع مراسم العزاء في دول المهجر، والاكتفاء بإقامتها حصرا في الوطن، مع قبول التعازي في أوروبا عبر وسائل التواصل الاجتماعي فقط. وقد جاء هذا القرار بعد مشاورات واسعة وموافقة صريحة من كبار السن ووجهاء…

المحامي محمود عمر أيها المهرولون نحو دمشق مهلاً فحري بنا جميعا في هذه المرحلة الحيوية والحساسة والمفصلية ـ أن نجعل القضية الكوردية وحلها فوق أي اعتبار آخر،علينا أن نبتعد ولو قليلا عن أنانياتنا واصطفافاتنا الخلبية ، وأن يكون وحدة الموقف الكوردي نصب أعيينا في كل وقت وحين ،وأن لا ننخدع بالأقوال المعسولة والدعوات إلى لقاء أو محفل هنا أوهناك ،وكلنا…

مصطفى جاويش لو اتيح لي محاكمة الرئيس السوري السابق بشار الاسد لما حكمت عليه بالاعدام شنقا كما حكم على الاف المناضلين السوريين بالاعدام بتهم مختلفة، ولما حكمت عليه رميا بالرصاص كما رمى على الاف السوريين المتظاهرين سلميا وقتلهم، ولا حكمته حرقا كما حرق الثائرين على حكمه احياء واموات، وكانت رائحة حرق الجثث تفوح وتملا سماء حلب وخاصة في الصباح الباكر….

كفاح محمود حينما كان الرئيس الراحل عبد السلام عارف يُنعى في أرجاء العراق منتصف ستينيات القرن الماضي، أُقيمت في بلدتي النائية عن بغداد مجالسُ عزاءٍ رسمية، شارك فيها الوجهاء ورجال الدين ورؤساء العشائر، في مشهدٍ يغلب عليه طابع المجاملة والنفاق أكثر من الحزن الحقيقي، كان الناس يبكون “الرئيس المؤمن”، بينما كانت السلطة تستعدّ لتوريث “إيمانها” إلى رئيسٍ مؤمنٍ جديد! كنّا…