الطّلاق وآثاره النّفسية على المرأة

نارين عمر

لن أتحدّثَ عن الطّلاق من النّاحية القانونية ولا الاجتماعية ولا حتى الأخلاقية بل سأحاولُ ملامسته من ناحيةٍ أخرى ينساها المجتمعُ أو يتناساها ويتجاهلها عمداً وهي النّاحية النّفسية.
بمجرّدِ حصولِ الانفصال بين الزّوجين تنشأ خلافاتٌ حادة بين طرفي النقيض(أهل الزّوج وأهل الزّوجة) تتعلقُ بالمهر والجهاز والحلي  والأولاد والنَفَقةو….و…).
بالطّبع كلّ طرفٍ يحاولُ إثبات صدق أقواله وبطلان أقوال الطّرف الآخر واالمجتمعُ بدوره يؤيّدُ هذا الطّرف ويزجرُ الطّرف الآخر قد توصلهم خلافاتهم إلى المحاكم أو غيرها.

ولكن كم من البشر يتوقّفُ ولو للحظات على الحالة النّفسية المنهارة التي تدخلُ في معمعانها هذه المسكينة ومنذ اللحظة الأولى من إصابتها بآفة الطلاق تلك اللحظة التي تفقدها كرامتها وكيانها وجزءاً كبيراً من أنوثتها التي طالما تعتزّ بها وتحافظُ عليها.
قبل أن أتابعَ حديثي أودّ التوقفَ عند لفظة الزّواج وفروعه وأيضاً بعيداً عن/التّعريف القانوني والتّشريعي/له.
/الزّواج/ وبحسبِ كلّ الأعراف السّماوية والدّنيوية يكمنُ سرّه في كونه علاقة إنسانية مقدّسة تربطُ بين بشرين عاقلين وتساهمُ في اندماج قلبيهما ونفسيهما اندماجاً روحانياً مقدّساً ليساهما معاً في بناء صرح الإنسانية الذي يعدّ أسمى وأنبل صرح يُبنى منذ بدء الخليقة الأوّل وحتى يومنا هذا وما بعده أيضاً.
(بيت الزّوجية) كما يُسمّى, تعتبره المرأة عرينها المنتظر المفعم بالحنان والأمان والاستقرارتعلقُ عليه آمالاً وأحلاماً سلبتها وأفقدتها نوم ليالي الفصول بطولها وقصرها.

ترى فيه عرشها الذي تتربّعُ عليه بدون منافس ومنذ اليوم الأوّل من امتلاكها له تعصرُ كلّ خلايا جسدها ونفسها وقلبها لتقطرَ جميعها رشفات حبّ ووفاءٍ وحنان لزوجها أوّلاً وأولادها إنْ كان لها نصيبٌ معهم.
بعد سنواتٍ من الكرّ والفرّ لتحسين وضع الأسرة المادي والمعنوي والأخلاقي تجدُ نفسها وبقدرةِ قرارٍ من الزّوج الذي لايُشقّ له رأي ولا قرار فاقدةً العرش مسلوبة الكيان والرّأي والوجود بعدما سلبتها سرعة الأيّام نضارة الشّباب.
ومهما تعدّدت أسباب الطّلاق ودواعيه فالحقّ يكونُ مع الرّجل وضدّ المرأة بل يعدّونها السّبب المباشر في تفكيكِ الأسرة لأنّ عليها تحمّل كلّ تصرّفات الزّوج وأهله كيفما كانت لأنّه رجل وهي امرأة.
إذا قلبنا الآية فكانت المرأة ولأسبابٍ ما هي التي تملّ الحياة مع زوجها حتى وإن كان يضمرُ لها الحبّ والودّ وطلبت الانفصال والطّلاق لأنّها بدأتْ تحسّ بنوعٍ من الفتور النّفسي تجاهه.كيف سيتقبّل المجتمع هذه الفكرة ؟هل هناك امرأة تفكر وحتى لمجرّد الافتراض بمثل هذا التّفكير؟ لا…لأنّها تعرفُ مسبقاً أنّ قنابل اللوم والعتاب وقلة الحياء والحشمة ستتهافتُ عليها من كلّ الاتجاهات.

كيف لا وهي التي تحاولُ تلويث سمعة الأهل والأسرة وتغيير قانون الحياة والكون.
السّؤال الذي يطرحُ نفسه وبقوّة إزاء مثل هذه المواقف هو:
متى سيُنظر للمرأة على أنّها كائنٌ من روح وجسد لها مشاعر وأحاسيس هي قوت يومها وزادها الذي لاتستطيع العيش بدونهما؟ على الرّغم من أنّ نسائم التّغيير تهب علينا ونستقبلها برحابة صدرٍ وابتهاج في الكثير من الأوقات.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…