الشيطان أوان التقرب من الرحمَن

ماجد ع  محمد 

“إن من لا يضبط لسانه ساعة الغضب، لا يمكنه أن يضبط أهواءه”
إيبريخيوس
صحيحٌ أن المَشَاهد الجميلة التي نعاينها راهناً قد تُنسينا في بعض الأحيان معظم أو كل المشاهد القبيحة التي صادفتنا من قبل، إلاّ أن هذا النسيان السريع للمناظر الذميمة سببه أن المقابح التي مررنا بقربها أو تعثرنا بها كانت عابرة، سطحية، ولم تترك أثرها القوي علينا، لذلك استطاعت المناظر البهية أن تُبعدها عنّا وتحل محلها بيسر، في حين أن المشاهد التي تحفر عميقاً في النفس والذاكرة، بكونها ترتبط بحوادث أو وقائع سيئة أو مؤلمة أو صادمة، فمن الصعب التخلص من نتائج ما أحدثته بسهولة، وذلك مهما ابتعدنا عنها مكانياً أو زمانياً، ومنها على سبيل الذكر المجريات المرافقة لشهر رمضان بدءاً من المضايقات مروراً بالمشاجرات اللفظية وصولاً إلى العِراك بالأيدي أو بالسلاح الأبيض، عدا عن النزاعات بسبب الاِزدحام في الطرقات أو بسبب التدافع على أبواب محلات المأكولات والتي كانت جزءاً من يوميات الشهر المسمى بالفضيل،
 إذ أن المثالب التي كانت ترافق أشهُر رمضان في سوريا ليس بمقدوري نسيانها بالرغم من أنه مضى عليها ما يزيد عن 7 سنوات، وذلك بالرغم من أن المشاهد الحضارية والراقية لشهور رمضان في مدينة اسطنبول جاءت بعدها، وحيث لا أحد فيها يجبر أحداً على الصوم، ولا يُسمح لأحد بأن يُزعج غيره لأنه يأكل ويشرب في الشارع أو يدخن أمامه، كما أننا نادراً ما نصادف مَن يتشاجرون بسبب الخبز أو اللحم أو التزاحم في الطابور، ولكنها مع كل ذلك لم تقدر على إزاحة ما استوطن في الذاكرة البصرية قبلها. 
والغريب أن المشاحنات والمشاجرات والغضب المقيت كان من العلامات البارزة في شهر رمضان في الكثير من المناطق الشعبية بمحافظة حلب، إذ كانت تلك المقابح تجتمع معاً في شهر التقرب من الرحمن، الشهر الذي كان عملياً يسيطر فيه الشيطان على الكثير من النفوس، فكان الإبليس يقودهم إلى حيث يريدُ هو وليس إلى حيث هم يريدون للخناسِ أن يختبئ فيه من شدة إيمانهم، هذا مع أن ذم الغضب البغيض مذكورٌ بكثرة في الأدبيات الإسلامية وحيث يقول الشيخ وحيد عبدالسلام بالي في هذا الصدد بأن “الغضب من مداخل الشيطان الكبرى ومكائده العظمى؛ لأن الشيطان يلعب بالغضبان كما يلعب الأطفال بالكرة”، وبما أن الشيطان هذا الغائب الحاضر هو المنهل الحقيقي للغضب الذي ينبغي طرده من الفكر في أوقات العبادة، لذا كان الغضب المقزّز هو محور هذه المقالة التي قد يقول قائلٌ عنها، لماذا تكتب عن الماضيات وأنت بغنى عن إسترجاعها؟ فأقول له أكتبُ نيابةً عمن يعيشون في الوقت الراهن الحالة نفسها التي عشتها في ذلك الزمن، وربما يعيشونها بشكلٍ مضاعف بسبب سطوة حملة السلاح في عموم سورية.
إذ  في الحالة العادية  فإن ملايين المسلمين يحفظون عن ظهر قلب الحديث النبوي “ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” ويرددونه من حين لآخر سواء التزموا بفحواه أم لم يلتزموا به، وقد بينت بعض التجارب الحياتية أن كُثرُ مِمَن كانوا يُكثرون من الأشياء النظرية هم قليلاً ما يقاربون الذي يقولونه في إطاره العملي، ولا يلتزمون بمعظم ما يقولونه، لأن مِن طبع مَن صعُب عليه الفعل أن يعوضه بالقول.
كما أن موضوع الغضب وأهمية ضبطَ جماحه ركّز عليه الكثير من الصحابة والعلماء والفلاسفة على مر القرون، وبما أننا في موضوعٍ متعلق بشريحة من المسلمين سنورد بعض ما  يُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب عن موضوع الغضب وخطورته، ونذكر منها قوله: “الغضب يثير كوامن الحقد، الغضب شر إن أطعته دمّر، الغضب مركب الطيشِ، بكثرة الغضب يكون الطيشُ، الغضب يُردي صاحبه ويبدي معايبه، مَن أطلق غضبه تعجّل حتفه، بئس القرين الغضب: يبدي المعائب، ويدني الشر، ويباعد الخير؛ إنكم إن أطعتم سورة الغضب أوردتكم نهاية العطب، احترسوا من سورة الغضب، وأعدوا له ما تجاهدونه به من الكظم والحلم، لا نَسب أوضعَ من الغضب، مِن طبائع الجهال التسرع إلى الغضب في كل حال”.
إذ مع كل ما ذُكر بقيَ الغضبُ دعامة سلوكية رئيسية لدى مَن نشير إليهم، علماً أن هدف الصيام الأسمى هو طرد الشرور الناتجة عن الغضب والحقد والحسد، إضافةً إلى تهذيب النفس، وإحلال السكينة في البدن، وتعويد النفس على الاستغناء عن المُتع الدنيوية، وتقوية الإرادة الذاتية، وتمكين الرقابة الذاتية، وتعزيز روح البذل والعطاء، والتشجيع على الحس بالآخر والشعور به ومقاربة حالته، هذا عدا عن الأهداف الدينية الماورائية الصرفة التي من المفروض أن تجعل الصائم أكثر خُلقاً وأكثر تهذيباً، وتُخلصه بالتالي من الشوائب اليومية كما يُشذب المرء العوارض من أشواكها وأغصانها وقشورها، إلاّ أنه مع كل ذلك كان شهر رمضان من أسوأ شهور السنة في مدينة حلب التي كنا نعيش فيها قبل النزوح منها، وذلك لأن الكثير من أنفار البلد وخاصةً ممن كانوا من جماعة الصائمين فسلوكياتهم كانت تقترب من الحضيض كلما اقتربوا من ساعات الإفطار، والمشاكل كانت تتضاعف في ذلك الشهر، وأخلاق العوام كانت تسوء، وواحدهم أي ممن كان من حشد الصائمين العابسين كان من خلال تصرفه يود أن يقول للعالم أجمع بأنني صائم وما على البشرية جمعاء إلاّ احترام شهوتي؛ إذ على الكل أن يُظهر بأنه صائم كرمى هذا النموذج الأخرق من المؤمنين، وعلى كل الناس أن يتقيدوا بطقس رمضان فلا يشربوا شيئاً ولا يتناولوا أي شيء بحضوره حتى ولو كانوا من دينٍ آخر أو بلا دين، وذلك كله كرمى إرضاء أهواء ذلك المتدين الجلف.
فلا شك أن هذه النماذج البشرية تدفع الناظر بناءً على تصرفات وملافظ تلك الشريحة للقول: بأن واحدهم يحاول أن يُمنّن الخليقة والخالق معاً بما يقوم به، بصيامه أو بإضرابه عن الطعام المؤقت، مع أننا نُظلم المُضرب عن الطعام هاهنا عندما نقارن بينه وبين ذلك النموذج البشري، وذلك لأن المُضرب عن الطعام توقف عن الأكل وهو مقتنع تماماً بخطوته، وتوقف عن الطعام وهو فرِح بالذي يقوم به، ولا يتشاكل مع هذا وذاك بكونه لم يتناول طعامه منذ أيام أو أسابيع بعكس ذلك المذكور مِن حشد الصائمين، علماً أن هذا النموذج البشري الكريه لو عَرِفَ معنى ضبط النفس، وضبط الشهوات، والأصل في مقاومة المثيرات، لشكَر مِن يأكل في حضرته، وقدَّر مَن يثير الشهوات أمامه، بكونه من خلال ذلك يخوض تجربة حقيقية في كبح جماح غرائزه، لأن الصيام ليس مثمراً كما ينبغي وحيث لا يتوفر الطعام والشراب وباقي الملذات، بما أن قوة الصيام وعظمته يكونان عندما يكون المرء على مائدةٍ لذيذة وحوله ما لذ وطاب، وأن تكون كشخص وسط المغريات ولكنك قادر على أن تدوس على نفسك، وتلجم أهواءك، وتُعلّم نفسك كيف تضبط الميول والرغبات في الوقت الذي تكون فيه محاطاً بكل المشهيات.
عموماً فبما أن جوهر الصيام واحد لدى مختلف الأديان المسماة بالسماوية وحتى لدى بعض الديانات الأرضية، وبما أنني ولدتُ مسلماً لذا كان يُثير قرفي غضب شريحة من الصائمين في المدينة بسبب وبلا سبب، وخاصةً قُبيل ساعات الإفطار، لذا وددت أن أختم هذه المادة بكلمة لكاهن الاسقيط في مصر الأب ايسيذورس، عن ثنائية الغضب والشيطان، وحيث يقال بأنهم سألوه يوماً لماذا تخشاك الشياطين جداً؟ قال الأب: “لأنني منذ أن أصبحتُ راهباً، وأنا أحاول ألا أسمح للغضب أن يرتفع إلى حلقي”، أما بخصوص العجرفة والكبرياء والمباهاة والمفاخرة بالصيام والاحتفاء بطقسه أكثر من التزهد والإغراق في معانيه، فيقول الأب ايسيذورس الكاهن: “إذا حفظتم الصوم وفق الأصول لا تتكبروا، لأنه خير لكم أن تأكلوا لحماً من أن تقعوا في الكبرياء، فخير للإنسان أن يأكل لحماً من أن يتباهى ويفتخر”، وفي النهاية يبقى الصيام عن الكذب والنفاق والسرقة والسلب والنهب والسطو، أهم مئة مرة من الصيام عن الطعام والشراب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…