العلاقة بين الانتخابات والديمقراطية

 سيڤي ايزولي*

في الوقت الذي تدور فيه  نقاشات حادة، حول شرعية الانتخابات السورية، المزمع إجرائها في شهر نيسان من هذا العام ، وفي الوقت الذي تم فيه اختزال العملية السياسية ومخرجات قرار مجلس الأمن  2254 لحل الأزمة السورية، على مجرد عملية انتخابية والتسويغ لها، وكأنها العصا السحرية التي ستمكن الشعب السوري من الخروج من معاناته، ومن الوضع الكارثي والمأساوي الذي يعيشه منذ عشر سنوات، وستفتح أمامه أبواب الديموقراطية على مصراعيها ٠ تدور النقاشات بين فلاسفة الفكر السياسي في الدول الديموقراطية، التي تنظم بها انتخابات حرة نزيهة ودورية، منذ النصف الثاني من القرن العشرين على الأقل، حول ضرورة إيجاد نظام بديل لانتخابات أكثر ديموقراطية،  يتمكّن الشعب بموجبها – ليس فقط –  من التعبير عن إرادته الحرة وإنما المساهمة الفعلية – ليس فقط –  في الحياة السياسية، وانما  في صنع القرار أيضاً ٠
صحيح أنه في بداية النصف الثاني من القرن العشرين ترسخت على الصعيد العالمي فكرة أن تنظيم انتخابات حرة ودورية ونزيهة تشكل دعامة أساسية، بل معيار النظام الديموقراطي، فلا ديموقراطية بدون انتخابات يعبر من خلالها الشعب بحرية عن إرادته باختيار ممثليه٠
 عدد كبير من الاتفاقيات والمواثيق الدولية،تكرس الانتخابات، كحق من حقوق الإنسان الفردية الأساسية وفي الوقت نفسه كحق من حقوق الشعوب بتقرير مصيرها، باختيار نظامها السياسي وشكل حكومتها دون تدخل خارجي .
  لعل من أبرز النصوص الدولية في هذا المجال – الإعلان العالمي لحقوق الأنسان- حيث نصت مادته 21 الفقرة الثالثة على أن :  
((إرادةُ الشعب هي مناطُ سلطة الحكم، ويجب أن تتجلّىَ هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجرى دورياً بالاقتراع العام، وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السرِّي أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرِّية التصويت))
ولكن العملية الانتخابية ظاهرة معقدة ومتكاملة، ولكي تتجلى إرادة الشعب عبر الانتخابات، لا بد من ان تتوفر فيها شروط عدة فمن الخطأ اختزالها على أنها مجرد عملية وضع استمارة انتخابية في الصندوق يوم الاقتراع بل لا بد أن تبدأ قبل اليوم المحدد بزمنٍ كافٍ ، لتمكين المرشحين من خوض الحملة الدعائية الانتخابية، وعرض برامجهم على الشعب ولكي يعتبر التصويت انعكاساً حقيقياً وتعبيراً عن الإرادة الحرة للناخب نابعاً عن معرفة ودراية لابد أن تتوفر له إمكانية الاختيار أو الانتقاء بين البرامج المطروحة بعد الاطلاع عليها وهو ما تكفله التعددية فبدون التعددية والمشاركة الحقيقية لمختلف القوى السياسية ومكونات وفئات الشعب، لا يمكن اعتبار التصويت نابع عن اختيار حر .
 في هذا السياق لابد من ذكر اجتهاد للمحكمة الأوربية لحقوق الأنسان التي ربطت من خلاله بين حق الانتخاب والترشح المنصوص عليه في المادة الثالثة من البروتوكول الأول الملحق بالاتفاقية الأوربية لحقوق الأنسان، وتنص المادة العاشرة من هذه الاتفاقية، والتي تحمي حرية الرأي والتعبير، واعتبرت أنه لا يمكن التضييق أو الحظر على المرشحين خلال الحملة والدعاية الانتخابية لأن الدعاية الانتخابية تدخل ضمن نطاق حرية الراي والتعبير
 BOWMAN c. Royaume-Uni (141/1996/760/961) 19 février 1998
اذاً لا بد أن يكون اختيار الناخب اختياراً واعياً أي نابعاً عن معرفة وإلمام . أي أن يكون مستنداً إلى العلم بالدوافع والنتائج التي ستترتب على هذا الاختيار دون غيره  وهذا هو الهدف الرئيسي لحملات الدعايات الانتخابية التي تبدأ عادة عدة أشهر قبل يوم التصويت، حيث تمنح كل الأطراف والمرشحين المشاركين فرض متكافئة ومتساوية للتعبير بكل حرية، ودون أي قيود على آرائهم، وعرض برامجهم أمام الشعب. في ظل غياب هذا الشرط لا يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة. النزاهة هي تكافؤ وتساوي الفرص بين المرشحين. لتعكس الانتخابات إرادة الشعب وتمثل تطلعاته لابد أيضاً أن تكون المشاركة واسعة وشاملة قدر الامكان. فظاهرة التغيب عن التصويت هي من أهم الظواهر التي تشوب الديموقراطية في الدول الغربية وتسعى بجدية لمحاربتها. وعدم تمكن غالبية واسعة من الشعب المشاركة في الانتخابات والإدلاء برأيهم ينفي عنها الشرعية . 
إذ كان يستحيل التكلم عن نظام ديموقراطي بدون انتخابات تتوافر بها الشروط الآنفة ذكرها، إلا أنه لا يمكن أيضاً اختزال الديموقراطية في العملية الانتخابية، أو مجرد اختيار ممثلين عن الشعب حتى ولو تم هذا الاختيار بشكل حر ودوري ونزيه. المؤرخ والكاتب البلجيكي – دافيد فان ريبروك- يقول في كتابه “ضد الانتخابات” الذي صدر عام 2014 النظام الديموقراطي هو الذي يضمن المشاركة الفعلية والمباشرة للمواطنين في العملية السياسية وفي صنع القرار. وهذا ما يكفل معالجة نواقص الديموقراطية الانتخابية وحتى إلغائها على الأمد البعيد. ومن جانبه العالم السياسي الفرنسي بيير روزانفالون يقول : يجب عدم الخلط بين الانتخابات والديموقراطية فإجراء انتخابات دورية حرة ونزيهة لايكفل وحده إقامة نظام ديموقراطي. الانتخابات ماهي إلا رخصة او إجازة تُمنح إلى رئيس أو إلى حزب لشرعنته وتمكنه من تبوأ الحكم لمدة معينة. ولكنها لا تحدد الشكل الذي سيحكم به ولا تعرف محتوى السياسة التي سينتهجها .
فليس بنادرٍ أن يتحول رئيس منتخب ديموقراطياً إلى ديكتاتور، ولهذا فان الديموقراطية الحقيقية هي التي تمكن الشعب أولاً – من مراقبة ممثليه المنتخبين بشكل مستمر خلال كل المدة أو الدورة التي انتخبوا من أجلها وحظر قراراتهم أو رفع الشرعية عنهما بمجرد أنها لا تمثل الإرادة الشعبية، وذلك دون انتظار الانتخابات المقبلة .
الوصول إلى هذا المستوى يحتاج الى زمن طويل، لبناء المواطن ومؤسسات قوية تضمن فصل السلطات، وترسخ دولة القانون وتعيد للمواطن ثقته بنفسه وبدوره الفصلي، في بناء الدولة وتحديد شكل الحكم ٠
ثانيا- هي التي تسمح لكل المواطنين على قدمٍ وساق أي بشكل عادلٍ ومتساوٍ المشاركة الحقيقية والفعالة في صنع القرار، والمساهمة المباشرة في الحياة السياسية .
 ولهذا فان أكثر الأنظمة قرباً من الديموقراطية الحقيقية هي تلك التي ترسخ مشاركة منظمات المجتمع المدني وترسخ ديموقراطية الجوار عبر منح المجالس المحلية والبلدية سلطات واسعة مماثلة أو شبيهة بالبرلمان،  وأخيراً فإن الديموقراطية الحقيقية هي التي لا تكتفي بتمثيل الأغلبية التي انتخبتها، وإنما تسعى بكل الأشكال لتمثيل الأقلية التي صوتت ضدها والتعبير عن تطلعاتها ومصالحها . 
الانتخابات ليست سوى خطوة أولى على طريق طويل جداً لابد أن يسلكه الشعب السوري ليصل الى الديموقراطية . 
*دكتورة في القانون الدولي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…