الاكتفاء الذاتي سلاح اقليم كوردستان في مواجهة الحصار

زاكروس عثمان 
اثبت العهد الجديد في العراق بحكوماته وبرلمانه، ان موقفه من كوردستان الجنوب لا يختلف عن موقف نظام البعث ـ الصدامي البائد، وإذا كانت المنطقة نالت الفيدرالية وتحولت إلى إقليم له حكومة وبرلمان فهذا لم يكن من عطايا حكام بغداد الجدد بل كان ثمرة كفاح  طويل خاضه الشعب الكوردي مقرونا بمشيئة دولية فرضت على العراقيين الاستجابة إلى مطالب أحزاب الحركة الكوردية، ورغم إقرار الفيدرالية تظل بغداد تتطلع إلى اخضاع الاقليم لسيطرتها المباشرة بإلغاء حكومته وبرلمانه وكيانه الفيدرالي، وما يمنعها عن ذلك هي الضمانات الدولية وضعف الدولة العراقية إلا ان حكامها ينتظرون تبدل الظروف للانقضاض على الاقليم،
لهذا يحاولون إضعافه وعرقلة  نموه وتطوره من خلال حرمانه من استحقاقاته الدستورية، ومحاربته اقتصاديا عبر حصاره وعزله والامتناع عن دفع مخصصاته المالية، لهذا بقيت المشاكل قائمة بين العراق وإقليم كوردستان, ولن تتحسن العلاقات في المستقبل القريب، وليس مستبعدا ان تطلب الحكومة العراقية من تركيا وإيران فرض حصار اقتصادي “تجاري” على الاقليم، ما يعني تعرضه لازمة مالية وانقطاع السلع والبضائع، وهذا يشكل ضغطا كبيرا على حكومة الاقليم وشعبه. 
 لا شك ان قيادة الاقليم تضع نصب عينها هذه الاحتمالات الخطيرة، خاصة ان ثقتها باتت معدومة بالمسؤولين العراقيين، حيث بينت التجارب السابقة ان الشراكة التي تجمع بين المسؤولين الكورد ونظرائهم العراقيين هي شراكة قسرية بين الثعلب والديك، إذ يلعب الجانبان بأوراق مكشوفة، حيث يتحين الثعلب فرصة  للانقضاض على الديك الذي بدوره ينتظر تبدل الظروف التي تسمح له بالفرار والتخلص من مخالب الثعلب، بعبارة اخرى اربيل تسير إلى الاستقلال وبغداد تدرك ذلك وترفضه وحتى تضع العقبات امام استقلال الاقليم فإنها تحاول حرمانه من الموارد المالية تحت حجج و ذرائع واهية. 
 وبما ان قيادة الاقليم تضع الاستقلال نصب عينيها، عليها توقع الحصار والتطويق ليس من العراق فحسب بل كذلك من الدول المجاورة وكلها معادية للامة الكورية، فما هي البدائل التي وفرتها حتى تخفف أثار الحصار والعزلة،  في حال وقعت ازمة بين اربيل وبغداد او في حال اعلان قيام الدولة الكوردستانية.  
في هذا المجال لا امتلك معلومات كافية عن استعداد الاقليم لمواجهة الازمات وعمليات الحصار، وما يذكره الزملاء المتواجدين هناك لا يبعث على الطمأنينة، كنت اتوقع ان قيادة الاقليم تتبع خطة استراتيجية، حتى تكون في غنى عن المال العراقي، كان تعمل على  توفير احتياطي نقدي وتضع خطة انتاجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وهذه سياسة تشكل اهمية قصوى للإقليم، فأن كانت بغداد قادرة على قطع الاموال عن اربيل فان انقرة وطهران في حال حدوث اي تطور سياسي في الاقليم قادرتان على قطع السلع والبضائع عن سكانه، وحتى يتم تخفيف اثار الحصار، المفروض بالقيادة ان تضع خطة انتاجية شاملة تهدف إلى تعزيز الاعتماد على الذات في تأمين الحاجات الأساسية و الدفاع عن النفس، وتحقيق اكتفاء ذاتي في ما يتعلق بالمواد الغذائية والمياه والخدمات الصحية، وتقليل الحاجة إلى الخارج، ومن حسن حظ اقليم كوردستان الجنوب انه يتوفر على مقومات اقتصاد الاكتفاء الذاتي ومستلزماته، حيث تتوفر رؤوس الاموال لتمويل المشاريع الانتاجية، وتتوفر الاراضي والمياه لإنتاج المحاصيل الاستراتيجية وتربية الحيوان لتوفير غذاء السكان، كما يتوفر الاقليم على ثروات طبيعية وباطنية متنوعة تساعد على بناء معامل ومصانع المواد الغذائية والادوية والالبسة وغيرها، كما تتوفر في الاقليم الايدي العاملة والكفاءات العلمية، إذ بدل اعتماد الإقليم على السوق التركي والايراني لتأمين حاجته الى الخضار والفواكه واللحوم والبيض وغيرها من المواد الاستهلاكية، يمكنه انتاج كل هذه المواد من خيرات ارضه، بذلك تتم حماية السكان من سياسة التجويع، كذلك توفر الاموال الصعبة التي كانت تذهب اثمان للسلع الاجنبية. 
وتسهم سياسة الاكتفاء الذاتي في توفير الاحتياطي النقدي للإقليم اي امتلاك العملات الصعبة وسبائك الذهب والاحتفاظ به في البنوك المركزية، ولان الاقليم ليس دولة ذات سيادة ولا يمتلك عملة وطنية ولا بنك مركزي، فان الحديث عن احتياطي نقدي للإقليم غير دقيق من الناحية العلمية، إذ يستخدم الاحتياطي النقدي في الدول المستقلة في دعم العملة الوطنية وتصفية المعاملات والالتزامات الدولية وفي دفع الديون، ولكن يمكن تجاوزا الحديث عن الاحتياطي النقدي للإقليم و مجالات استخدامه مثلا في دفع رواتب الموظفين وتأمين نفقات الدوائر الحكومية وتوفير السيولة النقدية في البنوك ودعم القوة الشرائية للسكان، والسؤال هو فيما إذا كانت اربيل تمتلك  كمية من الاموال الاضافية المخزنة والتي لا يتم التصرف بها الا في ظروف استثنائية، إذ بالنسبة لوضع اقليم كوردستان فان توفر احتياطي نقدي يشكل اهمية قصوى، وحيث ان الاقليم يتوفر على موارد اقتصادية متنوعة، لا اظن ان القيادة الرشيدة تعدم وسيلة لتوفير جزء من عائداتها لتكون احتياطي نقدي يستعان به وقت الازمات، بدل انتظار الحسنات من بغداد. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…