الحركة الكردية والحزب الشيوعي السوري (2)

 صلاح بدرالدين
                         
قبيل انعقاد المؤتمر الثالث لحزبنا عام 1973, وفي طريقي الى القامشلي لحضور المؤتمر, وبعد وصولي دمشق قادما من بيروت, عبر الخط العسكري للجبهة الديمقراطية, مكثت حوالي الأسبوع لألتقي بقيادتي جناحي الحزب الشيوعي السوري (ابراهيم بكري- وعبد الوهاب رشواني) و (رياض الترك- ويوسف نمر) ودعوت الجانبين كل على حدة الى مؤتمرنا, الذي سنلتزم فيه بالماركسية أو توجيه رسالة, وطال لقائي مع- الترك- بحضور- نمر- ليلة كاملة, تباحثنا حول القضايا المشتركة والقضية الكردية, وانقسام الحزب الشيوعي والنظام الحاكم ومسألة المعارضة, وسألته عن مدى صحة معاداة السيد- خالد بكداش- لأنه من اصول كردية, فنفى ذلك بشكل قاطع وقال بتهكم, ” هذا لا يصلح لا للعرب ولا للاكراد “.
 واقترحت عليه فكرة حزب شيوعي موحد جديد, ( نفس الفكرة طرحتها على  إبراهيم بكري وعبد الوهاب رشواني ) يضم اليسار الكردي بوضع تنظيمي خاص مثل التنظيم الكردي للحزب الشيوعي السوري أو أي ترتيب آخر, فلم ألق من الطرفين  استجابة جدية. .
استلمنا في المؤتمر رسالة تحية باسم الحزب الشيوعي, من جناح السيد- رياض الترك- وتليت ونشرت في الوثائق, مما خلق لدى الجناح الآخر انزعاجا واضحا.
 وفي سياق متصل بالموضوع, فاجأني الراحل- رمو شيخو- باتصال تلفوني من موسكو عام 1988, وكنت في منزلي بمدينة- يينا- بألمانيا الديمقراطية طارحا التالي: “لقد أنجزنا الترتيبات المطلوبة لاعلان حزب شيوعي- كردي, وننتظر أنا و- كريم أحمد- ( وكان عضو مكتب سياسي للحزب ش ع ) موافقتك” فأجبته هل هذه نكتة؟ لقد عرضنا عليكم الفكرة منذ عام 1965 أي قبل ثلاثة وعشرين عاما, فرفضتم بكل تهكم واستهزاء, وحاربتمونا بكل قواكم, ودعمتم اليمين الكردي, وتعاونتم مع السلطة ضدنا, وطالبتم القيادة السوفياتية بقطع العلاقة مع حزبنا, وحجب المنح الدراسية عن طلابنا, والآن جئت لتفاجئنا. فأجاب: نعم, حصلت أخطاء, ولكن أريد فتح صفحة جديدة. فأنهيت الحديث معه بالقول: لقد تأخرت كثيرا يا- أبا جنكو-.
  كانت علاقتي الشخصية حسنة مع المرحوم – أبو جنكو – مبنية على الاحترام المتبادل رغم الخلافات السياسية وكان صريحا معي في غالب الأحيان ، سألته مرة عن موقفه من مشروع عمل عليه المرحوم – الطالباني – بالتنسيق مع اللواء – علي دوبا – رئيس المخابرات العسكرية ورجل النظام القوي حينذاك بشكل سري يهدف الى تشكيل حزب كردي وكان لديهم قائمة بخمسين اسما من الكرد الموالين للنظام ومن كافة المناطق الكردية بسوريا والهدف كان معلوما : التخلص من حزب الاتحاد الشعبي المعارض للنظام وبناء حزب يدين بالولاء للطالباني ويعادي البارزاني وتجيير الكرد لخدمة النظام فأجابني أبو جنكو : نعم لدي علم وموافق على ذلك المشروع وكانت لدينا معلومات انه مشارك أيضا  . 
كان للحزب الشيوعي العراقي احتراما خاصا لدى حزبنا, لأسباب مبدئية ولموقفه المتقدم تجاه القضية الكردية. وقد التقينا بقادتهم وبعض كوادرهم السياسية والعسكرية, خلال زياراتنا الى كردستان- العراق, والتقيت  بأمين عامه  السيد- عزيز محمد- فوجدته خلوقا ودودا يدخل القلب. ثم التقيت به في برلين خلال مشاركته مؤتمر الحزب الاشتراكي الألماني الموحد الحاكم . 
التقيت بالسيد- عزيز- مرة أخرى في بيروت, وكنا ندعو ممثليهم الى مناسباتنا, حيث حضر السيد- فخري كريم- عضو المكتب السياسي حفلة تخرج دورة عسكرية كردية- فلسطينية في جبال الشوف. وفي عام 1997 وبعد نجاح الثورة الايرانية, طلب مني السيد- عزيز محمد- أن أساعد في ترتيبات سفر مجموعة من كوادرهم من أوروبا الى طهران عبر بيروت, فأمنت لهم تذاكر السفر من الراحل  السيد- ياسر عرفات- واعتقد انهم كانوا بين سبعة وعشرة أشخاص, وغادرت منزلي لأضعه تحت تصرفهم لمدة أكثر من اسبوع, الى أن توجهوا الى طهران, ومن ثم كردستان العراق. كما طلب مني السيد- عزيز محمد- مساعدة السيد- بهاء الدين نوري- في بيروت, لتأمين وارسال السلاح الى محطة القامشلي, ثم الى كردستان- العراق, عبر تركيا وبمساعدة حلفائنا في الحركة الكردية هناك, فعملت ما بوسعي وما هو أكثر من طاقتي, بقناعة وحماس .
كيف لا وأن قادة ومؤسسوا الحزب الشيوعي العراقي الأوائل نشأوا على حب الشعب الكردي والاعتراف بحقوقه وهناك مقولة شهيرة لكل من ( فهد وسلام عادل ) لدى مخاطبتهما لشعب كردستان العراق ( قووا تنظيم حزبكم الديموقراطي الكردستاني .. قووا صفوف حركتكم القومية الكردستانية ..) وبالمقابل كان الشيوعييون السورييون والكرد منهم خصوصا يفتخرون بانهم يحاربون الحركة القومية الكردية في سوريا .
منذ ان دخل الحزب الشيوعي السوري جبهة النظام لم يعد مستقلا  بل تابعا ومتبنيا سياساته رهذا ماحصل بخصوص الموقف من أية معارضة سلمية داخلية من اجل الإصلاح والتغيير الديموقراطي ، ومن القضية الكردية السورية ، ومن القضية الكردية بكردستان العراق ، ومن القضية الفلسطينية حيث شن النظام حربا على قوات منظمة التحرير الممثلة الشرعية لشعب فلسطين في لبنان وساهم في شق حركة فتح ودعم فصائل مصطنعة مؤدلجة مثل – الصاعقة – وواجه الحركة الوطنية اللبنانية وتعاون مع أعدائها وقام بتصفية الشخصية الوطنية المرموقة الشهيد كمال جنبلاط وكوكبة من الشيوعيين والديموقراطيين اللبنانيين بينهم جورج حاوي ، وتعاون مع ميليشيا حزب الله في مواجهة الوطنيين اللبنانيين ، وهيمن على ذلك البلد الجار ، كما قدم الدعم لقوى إرهابية عراقية لعرقلة العملية السياسية بعد القضاء على النظام الدكتاتوري ، وتعاون مع نظام آيات الله في ايران في بث البلبلة والفتنة المذهبية في المنطقة وبالأخير استقدم قوى نظامية وميليشياوية واستباحة السيادة لمواجهة الثورة السورية التي قامت سلمية ثم تحولت دفاعية بعد زج النظام كل قوى الدولة السورية لسحق المحتجين السلميين .
 ..  يتبع ..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…