الطريق الى السلطة

  دهام حسن
daham46@hotmail.com

تمهيد : ـ أ ـ
الطريق إلى السلطة ، عنوان كتاب قيم ، لـ (كارل كاوتسكي) 1854 ـ 1938 ترجمة جورج طرابيشي ….

وكاوتسكي هذا بغنى عن التعريف ، فهو زعيم الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني ، أقوى الأحزاب الماركسية في العالم وقتها.

وهو من أشهر الماركسيين الألمان بعد أنجلز ، انتقد كاوتسكي البلاشفة خلال تناوله الجانب الديموقراطي في ثورة أكتوبر ، و سيادة البروليتاريا ، وتساءل : لماذا ينبغي أن ترتدي سيادة البروليتاريا شكلا لا يتلاءم مع الديمقراطية ؟
ورأى أن النظام الذي يتمتع بجذور راسخة بين الجماهير ، ويعرف أن الجماهير معه، لن يخاف من الانتخابات الديمقراطية كخيار توصل الجديرين إلى سدة الحكم، ولن يلجأ إلى العنف، إلا من أجل حماية الديموقراطية.

غير أن البلاشفة ـ برأيه ـ قد قضوا على الديموقراطية ، عندما اختاروا طريق الديكتاتورية ، لهذا كانت قضيتهم غير صحيحة.

عده لينين مرتدا عن الماركسية ، لجملة أفكار ومواقف ، سلم بها الجيل التالي ، لكن الشيء الثابت ، أن نواب الحزب الاشتراكي ، قد صوتوا في البرلمان بالموافقة على الاعتمادات العسكرية لبلادهم ، في الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918.

رغم هذا أقول: لا يحرجن أحد ، من قراءة مؤلف كاوتسكي (الطريق إلى السلطة) فقد أشاد لينين بالكتاب في عام 1917 أي بعد (ارتداد) كاوتسكي مثلما أشاد لينين بمؤلفات بليخانوف الفلسفية رغم اختلافه معه..

يقول لينين في (الطريق إلى السلطة) بأنه (خير كتاب لكاوتسكي ضد الانتهازيين) وبان الكتاب يعالج الشروط العينية التي ترغمنا للإقرار بأن عصر الثورات قد بدأ.

و لا ننسى أن أنجلس في سنواته الأخيرة كلف كاوتسكي لإنجاز الجزء الأخير من كتاب (رأس المال) لماركس، وفعلا أنجز كاوتسكي الكتاب بعد وفاة إنجلز.

وهذا أيضا شهادة لمصلحة كاوتسكي ، و تقدير لمكانته العلمية.

ونتناول فيما يلي جانبا من أفكار الكتاب نرصد فيه ، موضوعا واحدا ، يتعلق بمسألة مشاركة الحزب البروليتاري مع الأحزاب البرجوازية في السلطة ، يعكس رؤية كاوتسكي وموقفه من هذه المسألة
 ب ـ
ـ إن مشاركة حزب بروليتاري مع الأحزاب البرجوازية في تأليف حكومة ، لابد أن يترتب على ذلك وقوع الحزب البروليتاري في تناقضات ، تفضي به في النهاية إلى الإخفاق والفشل الأكيد، لأن هذا الحزب يقع في حيرة الاختيار، حيث يتجاذبه طرفان ، السلطة والشعب، وبالتالي مع من يقف، وهذا هو الامتحان الأكبر لأي حزب، وبالتالي محرقة فيما لو مال إلى السلطة وابتعد عن الجماهير الشعبية.

مكتفيا ببعض الفتات.

 
ـ إن مشاركة الحزب الاشتراكي في السلطة ، يعني أن يبيع قوته السياسية لحكومة برجوازية ، لن تجني منها البروليتاريا سوى بعض البرلمانيين الذين سيعقدون الصفقات مع السلطة، ومن هنا تأتي خيبة الجماهير التي عقدت الآمال على هكذا أحزاب،
ـ إن العناصر التي ستجني فائدة من مشاركة الحزب الاشتراكي في كتلة برجوازية ، هي العناصر التي لا ترى في الحزب الاشتراكي سوى مطية للصعود ، هي العناصر الوصولية والمحبة للخمول والبطالة، فالحزب ـ إذن ـ عندما يمارس حياة ديمقراطية داخل التنظيم بإمكانه التخلص من هذه العناصر الانتهازية المتقاعسة، والتي ينتهي مشوارها النضالي، حيث مصلحتها الذاتية.


ـ في حال مشاركة البروليتاريا الطبقة المالكة في الحكم ، فهي أي البروليتاريا لا تستطيع ممارسة السلطة ، بسبب التناقضات الحادة المستعصية بين الطبقتين ، لهذا تعمد الطبقة المالكة إلى استثمار السلطة لمصلحتها ، وقمع البروليتاريا بالتالي.


ـ يتجلى التناقض في الحكومة الائتلافية ، عندما تذهب البروليتاريا تطالب أجهزة الدولة بمؤازرتها ضد الرأس المال ، في حين تعمد الطبقة المالكة على استثمار السلطة لقمع البروليتاريا ، فتخفق الأولى ، وتفلح الثانية ، واهم من يعتقد عن إمكانية الوصول إلى الوئام الاجتماعي.

عن طريق المصالحة و التوفيق بين الطبقات، لأن المجتمعات أي مجتمع منقسم إلى طبقات وشرائح ، لكل منها مصلحتها تنشدها، وبالتالي رؤيتها في النظر إلى الواقع، وتتصرف على أساسها.
ـ إن الحزب البروليتاري سوف يجد نفسه في الحكومة الائتلافية ، شريكا وضالعا ومتواطئا في قمع البروليتاريا ، وسيجلب لنفسه ازدراء البروليتاريين وأنصارهم واحتقارهم له ، و يقف عاجزا عن أي نشاط مثمر ، بسبب الحرج الذي يشعر به أمام الشعب ، وبسبب ريبة شركائه في الحكم ، الذين لن يسمحوا له بأي نشاط ، إلا في إطار دائرة ضيقة .

لهذا تجده يعيش في عزلة بعيدا عن محيطه الاجتماعي ، مثل هذه المشاركة لن تزيد من قوة البروليتاريا ، بل ستكون النتيجة توريط الحزب البروليتاري ، و تلويث سمعته ، و تضليل الطبقة العاملة وتشتيت صفوفها
ـ الحزب الاشتراكي كلما ثابر على معارضته لفساد الطبقات الحاكمة ، انصبت عليه ثقة الجماهير الشعبية عبر تعفن النظام ، فالطبقة الحاكمة لن تكون حليفا جديرا بالثقة أبدا، للريبة المتبادلة بين الطرفين، أي الحزب الاشتراكي والطبقة الحاكمة.كلاهما يضمر للثاني ويتحين الظرف المناسب للإيقاع به
ـ ينوه كاوتسكي إلى فعالية التكنولوجيا ، فهي ـ برأيه ـ لا تبدل العلاقة بين الإنسان  والطبيعة ، وإنما تبدل أيضا العلاقات بين الإنسان و الإنسان .أي أن كاوتسكي يرى ضرورة إيلاء العلم  والتكنولوجيا الأهمية والاعتبار اللازمين،  
ـ عندما تشكل النخبة الفكرية والثقافية حرجا للسلطة جراء ما يطرحون من أفكار ومبادئ ، يقصون بعيدا ، فتخلو الساحة لصغار النفوس و الجبناء والدساسين ليستأثروا بمكان الصدارة، هذه هي طبيعة النظم الاستبدادية للتخلص من المناوئين، وهذه هي طبيعة صغار النفوس لقنص الفرص واغتنامها، وتلك هي سقوف مسعاها النضالي.


ـ قد يمضي وقت طويل نسبيا ، يخمد فيه الحراك السياسي جراء قمع السلطة ، فيشعر كثير من قادة الأحزاب ، و ساسة الطبقات ، بأنهم لم يعودوا مطالبين بالنضال في سبيل غايات عظيمة كانوا قد نذروا لها أنفسهم أمام طبقاتهم ، فلم يبق أمامهم سوى بذل المستطاع للوصول إلى الحكم ، وجلهم يتقنون فن التكيف و المرونة و التزلف أمام نوازع الحكام.

لكن على العموم يشعرون بصغر شأنهم، في عيون الأعداء وأيضا عند الأصدقاء الذين يشعرون بخذلان هؤلاء لهم، والتنكر للمبادئ التي آمنو بها، والمهام الجليلة التي تصدوا لها في فترة من الفترات..
ـ وأخيرا ..

يرى كاوتسكي بأن الطبقات الحاكمة عندما تصاب بالانحطاط الأخلاقي و يصبح بلوغ السلطة أمرا متعذرا ومنيعا أمام الجمهرة الكبرى من الشعب ، عندها لا بد من كارثة تحل بالبلاد (إماطة اللثام عن كل عفن النظام).

و يسوق لنا كاوتسكي مثال الحرب الروسية اليابانية وكيف أن الحرب كشفت عن عري النظام القيصري في روسيا.


ما أشبه اليوم بالبارحة، فالتاريخ يعج بالأمثلة، وهو خير ناصح لمن أراد أن ينتصح، والزمن كفيل بفضح عورة أي نظام، وبالتالي إماطة اللثام عن عفنه.

إن تدارك الأخطاء والانتهاكات قد يشفع لهؤلاء المتسيدين اليوم ، أي في الظرف الراهن، بأنهم حاولوا الإصلاح قدر طاقتهم ولكن كانت التركة والتراكمات ثقيلة، والشفاعة لهم بأنهم حاولوا ، ليجازوا بالتالي على قدر نياتهم…

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…