التقمل الجلدي وفيروس التشتت السياسي في غرب كوردستان

فاطمة يوسف محمد 
من المعلوم أن التقمل مرض من الأمراض الجلدية المزعجة للإنسان عموماً ، ويصيب فروة الرأس والشعر والجسم وفي ثنيات الجلد البشري، ويعد القمل حشرة من مرتبة الحشرات الطفيلية التي تتغذى على امتصاص دم الإنسان المصاب ، ويكثر عادة بين صفوف طلاب المدارس والمساجين والعساكر ، وأسباب الإصابة به هو إهمال النظافة العامة والخاصة و طرق انتقاله سهلة جدا و عديدة ، لذا من المفترض معالجته والقضاء عليه كليا ، فكما يقال :” الوقاية خير من قنطار علاج “
من الممكن الربط بين واقعنا الحزبي وبين هذا المرض المزعج وتوفير ظروف التخلص منه ومعالجته ، فقد انتشرت في الأعوام القليلة الماضية الكثير من الأحزاب السياسية المتطفلة على الحركة الكردية وبدأت بالازدياد والتفرخ ، وسارعت إلى امتصاص قوت الشعب الكردي ، ودمائه ، وسرقة لقمة عيشه ، و اصبح من الصعب رأب الصدع ، ولم شمل الحركة السياسية الكردية وصهرها في بوتقة واحدة او في جسم واحد يمثل الكرد في المحافل والمنابر الدولية .
وان هذا التشرذم والتشتت غير المبرر ذاتياً أو موضوعيا بات يقلق الشارع الكردي ويعتبر ذلك خطراً كارثيا على مستقبل هذا الشعب وارادته ويعطل مسيرته نحو التحرر والتقدم والانعتاق من الظلم والعسف الذين كرسهما النظام . 
وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية لهذا الانقسام المفرط لابد من البحث الجدي عن العلاج الحقيقي لرأب الصدع وانهاء هذه الظاهرة المرضية وربما يكون قادم الايام محطات مهمة لمناقشة هذه الظاهرة ووضع الحلول لها ، لانها في النهاية تقع مسؤولية هذا الخلل على الجميع ولا يعفى أحد منها وتتحمل أعباء كبيرة في وضع دراسات تحليلية معمقة للم الشمل والاستفادة من كل الطاقات في الجسم الموحد ولا يقصى أحد أيضا من توحيد الجهود في التقارب الفكري و السياسي و التنظيمي ، وان المستقبل القريب وخاصة في مرحلة الاستحقاقات الموضوعية سيترتب على الجميع البحث عن التقاطعات المشتركة وعندها سيحتاج العمل إلى كافة الخامات والطاقات لاستثمارها بشكلها الأنسب . 
لايمكن التوافق مع الآراء القائلة بإن هذه الأحزاب وأعدادها وتفقسها كبيوض القمل حالة صحية و إن المجتمعات التي تقام على التعددية الحزبية والسياسية واختلاف الآراء لا يبنى على هذا العدد الهائل من الأحزاب والتنظيمات ، التي لا يرتقى الكثير منها إلى صفوف الأحزاب الحقيقية ولا يعقل ان يكون عدد هذه الأحزاب يتجاوز عدد أحزاب عشرة دول أوربية وعدد قياداتها يفوق عدد قياداتها أيضًا والكثير منهم لا يملكون أية مؤهلات أعضاء عاديين في أحزاب حقيقية . 
إن الاختلاف في الآراء والسياسة يبنى على مصلحة الدول والشعوب وقضاياهم وليس على المزايا الشخصية أو العشائرية ، وعندما تكون الأسس والركائز مبنية على المصالح المشتركة عندها يكون الاختلاف بينها او بين الأفراد لا يفسد للود من قضية . 
قد يكون هناك توافق الرأي في هذه المقولة ولكن لا ينطبق ذلك على حالة مجتمعنا الكردي والذي يختلف عن كل المجتمعات المتعددة الاحزاب والانماط السياسية وخاصة أن أغلب الأحزاب القائمة والمولودة حديثا لا تهدف إلى تحقيق أماني وتطلعات الشعب الكردي في كردستان سوريا و لا يمكنها أن تقوم بذلك لأن و ببساطة شديدة كلها شكلية وأعداد أفرادها قلائل و نظمها الداخلية مأخوذة ومستنسخة من غيرها ولا تملك القدرة المادية والمعنوية والعسكرية والسياسية لتحقيق ما يصبو إليه الكرد في الحرية والكرامة ، كما أنها لا تستند على قوانين حزبية ولا قواعد جماهيرية تؤهلها للسير قدما نحو بر الأمان ، رغم وجود بعض الأحزاب الصغيرة والتي تملك برامج حقيقية لمستقبل شعبنا وقيادات مؤهلة لتكون في مقدمة العمل الجدي لقضيتنا – وللأسف- لا تملك ركائز أو أسس يمكنها ان تطفو على السطح وتقوم بمعجزات لتحقق أهدافها في بناء تنظيمات غير كلاسيكية تخترق الساحة وتستقطب الإمكانات لتشكل تنظيمات لها مستقبلها ، وهذا أمر يصعب التكهن به في الظروف التي يمر بها شعبنا وحركتنا الحزبية . 
وهنا يمكن أن تقوم الأحزاب الكبيرة كما حدث في كردستان العراق بطرح مشاريع جدية لاستقطاب الجميع نحو مؤتمر وطني جامع يستطيع ان يحقق الوحدة المرجوة ويستفيد من الطاقات المتبعثرة والمشتتة وعندها قد يكون للجميع حظوظا قوية نحو بناء أحزاب حقيقية تستطيع ان توفر ظروف فعلية لوحدة الموقف وترسيخ القيم والمبادئ الديمقراطية في العمل الجماعي والمؤسساتي والذي يؤسس لمرحلة جديدة من العمل الحزبي والنضال من أجل حقوق شعبنا . 
لاشك أننا نرحب و نسعد بهكذا خطوة – أي وحدة الحركة الكوردية – إذا كانت في الطريق السليم في سبيل إيصال شعبنا لبر الأمان ولكن السؤال هنا يطرح نفسه ويفرض ذاته وهو :
إذا كان هدفكم وحدة الصف الكردي و توحيد الجهود السياسية لتحقيق تطلعات الشعب الكردي ، فلم كثرة هذه الأحزاب ؟ ولم تفقس بيوضها كل يوم لتفرخ كيانا سياسيا جديدا ؟ 
أما آن لنا أن ننظف ساحتنا السياسية و نحافظ على حركتنا الكردية دون اللجوء إلى استخدام مبيدات أو علاجات لا تنفع ؟ 
برسم الإجابة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…