مَن قتل باريش جاكان؟!

د. ولات ح محمد
   باريش جاكان شاب كوردي في العشرين من العمر يسير في ساحة عامة (أو حديقة) في أنقرة ويستمع من هاتفه إلى أغان كوردية (حسب ما قالت عائلته للصحافة)، فيباغته ثلاثة شبان متطرفين أتراك بالسكاكين ويردونه في ثوان قتيلاً ويحرمونه من شبابه ويحرمون أهله من رؤيته حياً من جديد. السؤال الذي يقفز آلياً إلى ذهن المتابع هو: ما الذي يجعل تركياً يهاجم مواطناً كوردياً لمجرد أنه يستمع إلى أغان كوردية، ولا يكتفي بضربه أو شتمه (وهو غير مقبول أساساً)، بل يبادره بالسكين حتى يقضي عليه؟. السؤال ملح ومشروع لأن حجم الجريمة ووحشية التنفيذ لا يتناسبان بأي شكل مع حجم الموضوع.
    قال عمر جليك المتحدث باسم العدالة والتنمية: “نشعر بحزن عميق لوفاة شقيقنا باريش جاكان. نحن ندين بشدة أولئك الذين هاجموه بوحشية وأولئك الذين حاولوا تصوير الحادث على أنه عنصري”. أما أسرة الشاب المغدور (التي يبدو أنها تعرضت لضغوط أمنية كبيرة كي تغير أقوالها في هذا الشأن) فقد قالت إن ابنها “قد تعرض للهجوم من قبل ثلاثة أفراد بالسكاكين بسبب سماعه للأغاني الكوردية”. عمر جليك قال إن الجريمة ليست بدافع عنصري، ولكنه لم يبين أي سبب آخر لتلك الفعلة التي وصفها بـ”الوحشية”. نسأل نحن بدورنا جليك: لو أن باريش كان يستمع لأغان غير كوردية (أرمنية، جركسية، عربية، فارسية، فرنسية أو بأية لغة حية أو ميتة من لغات العالم) هل كانوا سيرتكبون جريمتهم تلك وبتلك البشاعة؟!.
    الجواب واضح. هذا التصاعد لمشاعر الكراهية وأعمال العنف تجاه الكورد حتى في الشارع ولأتفه الأسباب هو نتيجة طبيعية للأعمال الإجرامية والعنصرية التي تنفذها حكومة رئيسهم رجب طيب أردوغان منذ سنوات بحق الكورد، وما يرافقها من خطاب إعلامي تحريضي مشوّه جعل صورة الكوردي في الذهنية التركية العامة (وغير التركية) مرتبطة بالعمالة والانفصال والتآمر والتخريب، حتى صار الكوردي الذي يستمع إلى أغنية كوردية أو يلبس زياً كوردياً أو يحمل علماً كوردياً متهماً بالخيانة لدى تلك الجموع المعبأة بكراهية كل من يعبر عن كورديته حتى وإن كان عن طريق الاستماع لأغنية. أما الذي عبأها بتلك الكراهية فهي خطابات أردوغان وحلفائه في الحكم وأفعالهم على مدى سنوات. 
    لا يكفي أن يقول جليك أو رئيسه إن تلك الجريمة خالية من الدافع العنصري، وقد قال أقرباء باريش إن هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها ابنهم للضرب للسبب ذاته. أريد أن أذكّر جليك بحادث آخر وقع قبل نحو عام في مدينة ترابزون عندما تهجم مجموعة من الأتراك على مجموعة سائحين كورد من جنوب كوردستان، لأنهم فقط كانوا يلتقطون صوراً تذكارية مع العلم الكوردستاني، وبدلاً من إيقاف المعتدين تم إيقاف السائحين. وقد نشرت آنذاك مقالاً تحت عنوان (علم كوردستان ممنوع في تركيا؟ّ!.. إلى أين يمضي أردوغان؟). يبدو الآن أن أردوغان بأفعاله يمضي في زرع الكراهية وتحريض الناس بعضهم على بعض حتى يودي بهم جميعاً إلى الهاوية. 
    مشاعر الحقد الكراهية تجاه الآخر لا تتولد وتتوالد من فراغ؛ فعندما تجتاح بجيشك مدن الكوردي وتقتل الكوردي وتستبيح ممتلكات الكوردي وتشرد الكوردي وتهدد الكوردي في وجوده، وتغير ديموغرافية مناطق الكوردي، وتتهم الكوردي بالخيانة والانفصال والتقسيم، ويقتل قناصتك الفلاح الكوردي، ويحرق مرتزقتك محصول الكوردي، وعندما تقتل طائراتك الكوردي في قرى رأس العين ودهوك وأربيل، وتطالب أنت غوغل بحذف خارطة وطن الكوردي المفترض، وينشر إعلامك لشهور وسنوات صورة الكوردي مرفقة بأسوأ الأخبار فإنك تربي جمهورك على كراهية الكوردي وتزرع في ذهنه صورة الكوردي المستباح (وليس الأخ والشريك في الأرض والوطن) وتعطيه الضوء الأخضر بأن يرتكب بحق ذلك الكوردي أية جريمة يشاء. وسيجد المراهق والمتطرف والعنصري في ما تفعله (وأنت القائد) أسوة ومثلاً أعلى في الكراهية والجريمة.
    من هنا تنبع مشروعية سؤال العنوان: من قتل باريش جاكان؟؛ فالذي قصف محمد حميد في رأس العين بالفوسفور الأبيض كي يغتال طفولته ويستولي على بيته وأرضه وصوّر ذلك لجمهوره على أنه انتصار، هو الذي فتح الطريق أمام ذلك الجمهور لقتل باريش جاكان كي يغتال حلمه بأن يكون كوردياً بلغته وبفولكلوره وبأغانيه وبأحلامه؛ ففي عرف أردوغان وأشباهه وتلامذته ليس مسموحاً للكوردي أن يكون نفسه، ذاته. وإن تجرأ وفعل توجّبَ قتله. بهذا الدافع قتلوا باريش بأسلوب غابوي وحشي حينما وجدوه متلبساً “بجرم” الاستماع إلى أغان كوردية.
    لو أن أردوغان وحكومته وبرلمانه لم يشرّعوا في أكتوبر الماضي الهجوم على الكورد في رأس العين وتل أبيض وقبلهما في عفرين، ولو أنهم لم يسخّروا كل إعلامهم لشيطنة الكورد، ولو أنهم لو يوظفوا حتى المساجد وآيات القرآن للتحريض ضد الكورد، ولو أنهم لم يقتلوا الكورد ولم يخرجوهم من ديارهم بغير حق، ولو أنهم لم يستولوا على بيوتهم وممتلكاتهم ولم يُسكنوا الغرباء في دورهم، ولم يتركوهم يبيتون في الخيام والعراء…. لو أن أولئك لم يبيحوا لأنفسهم أن يقصفوا الطفل محمد حميد وغيره بالسلاح المحرم، ولم يرفعوا بعدها آيات النصر لما وجد أولئك الزعران العنصريون اليوم في استماع كوردي للأغاني الكوردية جريمة وخيانة تسفك دم مرتكبها في وضح النهار وفي مكان عام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
** على مدى يومين غيرت عنوان المقال أربع أو خمس مرات (كما أفعل عادة) حتى استقر أمس على “من قتل باريش جاكان؟”. وقبل دفعه للنشر اليوم صادفت مقالاً بعنوان “من قتل جورج فلويد؟”. وعلى الرغم من الاختلاف الكبير في الطرح بين المقالين، فإن العنوانين يشيران (من وجهة نظري) إلى جريمتين متزامنتين وبدوافع عنصرية ناتجة عن شحن الأنظمة الحاكمة لمجتمعاتها بالكراهية تجاه الآخر، لدرجة أن يقوم أحدهم بقتل ذلك الآخر لأي سبب عابر، مدفوعاً بالشحن العنصري الذي في داخله. ذلك الشحن هو الذي قتل فلويد.. وقتل باريش: ذاك لأنه أسود وهذا لأنه كوردي. ولا يمكن لأية حيثيات أخرى أو أسباب جانبية مرافقة للجريمتين أن تبرر القتل في الحالتين، مهما تكن تلك الأسباب والظروف. هكذا أفهم المسألة، لذلك أحببت إضافة هذا الهامش.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…