عندما يتحول الخوف الى وباء

زارا صالح
يعيش العالم كله حالة من القلق والرعب والخوف في ظل شلل شبه تام وتوقف للحياة الطبيعية نتيجة خطر تفشي وباء فيروس كورونا (كوفيد-19 ), فيلم رعب حقيقي وليس من خيال كتاب ومنتجي أفلام الخيال العلمي كما عودتنا شركات السينما العالمية. نحن جميعا نعيش الحدث وأصبحنا جزء من هذه الحقيقة التي فاقت حتى خيال كاتب السيناريو لسلسلة أفلام الرعب والخيال وهو بقاء العالم حكومات وبشر متفرجين في حجر منزلي طوعي بانتظار” السماء” أو الدعاء بعد حيرة العلم في فك شيفرة الفيروس المستجد وفشل في اكتشاف الترياق, فيما سيناريو سفينة نوح بعد الطوفان يراود اخرين. حقا العالم جله مشدوه لاول مرة يتشاركن الخوف في لجظة نادرة لكن كل في مملكته الخاصة وضمن حدود بلده تعيد الانسان الى حقبة تاريخية ارتبطت بضعفه ومدى حدود امكانياته اليوم أيضا رغم كل التطور العلمي والتقني.
في ظل هذا الصعود الجنوني لخطوط بيانات ضحايا هذا الوباء حول العالم سواء بارتفاع عدد المصابين او القتلى, لاسيما وان أكثر بلدان العالم تطورا هي من تضررت من هذا الوباء مثل امريكا وأوروبا مما قد ينذر بكارثة حقيقية اذا انتقلت بهذا الشكل الى البلدان الفقيرة من العالم الثالث. وبالتوازي مع سرعة انتشار هذا الفيروس مثل النار في الهشيم يزداد الخوف والقلق بين الناس وهم “يودعون أحبتهم” كما حذر بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا الذي كان من اول ضحايا هذا الفيروس حيث اصيب هو وأخرين من طاقم حكومته اضافة الى ولي العهد البريطاني. ولعل مايزيد من حالة الفوبيا هذه التي سيطرت على الكثيرين هو عدم انتقائية هذا الوباء لانه يصيب كافة المستويات العمرية دون تمييز وذلك على عكس بعض التفسيرات العلمية التي كانت تحصرها فقط بين كبار السن واللذين لديهم أمراضا مزمنة. 
أمام حيرة ودهشة العالم هذه بدأت تطرح أفكار ونظريات عدة تخرج من صلب فشل الانسان في تفسير أو التصدي لهذا الوباء. فمثلا أصحاب مروجي نظرية المؤامرة في كل شيء ومعضلة كانوا أكثر تلهفا لاستقبال لحظة الحيرة هذه عند الناس وكان ذلك بمثابة “هدية من السماء” لاعادة تأكيد نظريتهم ومدى صدقها, حيث خرج الكاتب والصحفي البريطاني الشهير(ديفيد أيك) كأحد منظري نظرية المؤامرة ليؤكد صحة أفكاره في أن العالم يحكمه مجموعة صغيرة يسميها هو “النخبة”  وهي طائفة دينية ونسبتها لاتتجاوز الواحد بالمئة في العالم لكنها تتحكم بكل شيئ وتدير العالم عبر سلسلة هرمية واختلاق أزمات وامراض وأوبئة لترهيب الناس ومن ثم تفكيك نظام الاقتصاد العالمي واخرها كما يدعي ديفيد هو تهويل خطر وباء كورونا وذلك للوصول الى لعبة مجتمع الجوع ( هانغرغيم سوسايتي) والسيطرة على المجتمع.
 في حين ذهب أخرون في بعدهم الميتافيزيقي في التفسير حول نظرية ” العقوبة الالهية” للبشر نتيجة كل هذا “الكفر” والظلم المنتشر حول العالم كما يزعمون ويقولون بأن هذا الوباء يعد نتيجة طبيعية يستحقها الانسان كعقوبة سماوية. وهناك أراء أخرى تذهب بتفسيرها نحو ظاهرة العولمة والتطورات التكنولوجية التي حولت العالم الى قرية صغيرة في العلاقات الاقتصادية والتجارية وعمليات التواصل السريعة التي اختصرت المسافات وألغت الحدود والحواجز بين البشر والدول أيضا.
كما يبدو فان الخوف الذي بات وباء يرعب الناس جراء فيروس كورونا يختلف عن تلك التي عايشها الانسان في ظل حروب او مجاعات وكوارث طبيعية أو حتى حروب بيولوجية والتي كانت الاسباب فيها واضحة الى حد ما, فيما اليوم العالم يموت بصمت ويقف مشلولا وضعيفا أمام هذا التحدي الغريب الذي دخل كل بيت حول العالم وتحول الى حجرة صحية هربا من ذلك القاتل الغامض الذي كما يبدو بعد حين سوف يعيد ترتيب المفاهيم في اغلب مفاصل الحياة والعلاقات والسلوكيات بين البشر والدول وحتى التحالفات والاطر القائمة.
البشرية جمعاء مرت بهكذا أزمات وأوبئة وفيروسات مازالت تصيب الانسان وكانت نتائجها أكثر كارثية على الانسان مقارنة مع ما نراه اليوم,  لكن خطورة تفشي وباء كوفيد19 تكمن في سهولة وسرعة انتشاره رغم كل الاحتياطات المتخذة الذي فرض شللية على الحياة وكذلك عدم وصول العلماء ومراكز البحوث الطبية وشركات الادوية الى اكتشاف لقاح لهذا الفيروس وهذا هو أحد اهم أسباب هذا الخوف المنتشر بين الناس لاسيما في ظل بقاء العالم كله في الحجز المنزلي والعمل عبر النيت وقضاء معظم الوقت أمام الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت جميعها الى عالم من الكورونا.
وفي النهاية ورغم انكماش امال الانسان في لحظات الخوف والضعف الا أن الايمان والامل بتجاوز هكذا أزمات يظل قائما لان التاريخ البشري شهد مراحل وكوارث وامراض أكثر خطورة من فيروس كورونا وقد نجح الانسان في تخطيها والتغلب عليها كما سيكون حاله مع كورونا ايضا في قادم الايام ولعلها تكون عارضة موسمية ستزول كليا بانتهاء هذا الفصل بانتظار اخذ العبر والدروس خدمة الانسان والبشرية.  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….