سباقُ الموتِ بين جشعِ التجارِ وفيروس كورونا

مصطفى يوسف اللداوي
إنه الإنسان الظلوم الجهول، البشع الجشع، المتعطش المتوحش، الشَرِه الطماع، لم يكتفِ بفيروس كورونا يفتك ببني جنسه، ويقتل عشرات الآلاف من بني الإنسان، ويصيب فئةً من البشر لا تتجاوز 1% من سكان العالم، حتى هاجم بنفسه وبإرادةٍ منه، وهو الإنسان العاقل، كل الناس وجميع البشر، واجتاح بفيروس الطمع والجشع والاحتكار كل العالم بنسبة 100%، وأحدث في الحياة وباءً يفوق وباء كورونا وجائحةً تقتل أكثر منه، إذ أصاب كل الفقراء والمساكين، وعامة الشعوب وبسطاء الناس، وأفقرهم وجوعهم، واستولى على ما في جيوبهم وأتى على مدخراتهم، إذ احتكر الأسواق ورفع الأسعار وتحكم في السلع والبضائع الغذائية والدوائية، وفرض شروطه القاسية، وسَوَّقَ بضاعته الفاسدة، ولم يرحم المحتاجين والمعوزين، ولم يصبر على عوزهم وعجزهم وعدم قدرتهم، بل ضاعف في أرباحه، وتشدد في شروطه طلباً للربح، وأملاً في مزيدٍ من الكسب.
لم يمنع التجار الجشعين عن جريمتهم النكراء وأفعالهم الخبيثة، وأطماعهم المريضة، توقفُ عجلة الاقتصاد، وإغلاق الحدود وجمود التجارة، وحجرُ المواطنين وتوقفُ سوق العمل، وتحولُ الناس جميعاً إلى عاطلين وعالة، فلا عمل ولا دخل، ولا مدخراتٍ ولا مساعداتٍ، ولا قروض أو ديون، ولا حكوماتٍ تمولُ ولا برامج تعوض، ولا تسهيلاتٍ في الدفع أو تنازلٍ عن بعض الربح، ولا مشاريع صغيرة أو أعمال محدودة، إذ فرضت الحكومات أنظمة الطوارئ العامة، التي ألزمت المواطنين في بيوتهم، وأغلقت معاملهم ومصانعهم، وورشهم ومراكز أعمالهم، وزاد الحجرُ وحبسُ المنازل المواطنين استهلاكاً للمواد الغذائية، وصرفاً لمتعٍ تزجي أوقاتهم، وتبدد مللهم، وتمكنهم من الصبر على الحجر الطويل وقلة الحركة ومنع التزاور والتنقل.
أما الحكومات فقد وقفت في أغلب الأحيان تراقب ولا تحاسب، وتتابع ولا تتدخل، فبعض أركانها هم من كبار التجار وأصحاب المصالح، وهم الذين يحفظون القوانين التي تحمي مصالحهم، وتضاعف أرباحهم، وتزيد في حجم تجارتهم، وزادت على ذلك بحجة فرض النظام، والالتزام بحالة التعبئة العامة وقوانين الطوارئ لمنع انتشار الوباء، ففرضت غراماتٍ مالية على السيارات والمحلات المخالفة، وعلى الذين يخترقون حظر التجوال ويتجولون في الشوارع والطرقات، فزادت هذه الغرامات المالية في رهقهم، وضاعفت آلامهم، وراكمت فوق همومهم هموماً أكبر والتزاماتٍ لصالح الحكومة لا تنسى ولا تشطب.
وانجرف مع كبار التجار وملوك السوق، صغارُ التجار وعامةُ الباعة وأصحابُ المحلات، وبرَّرَ الجميع رفع أسعار السلع والمنتجات بارتفاع أسعار الدولار، وعجز الدولة عن تمويل المشتريات وتغطية قيمة المستوردات، وامتناع البنوك عن الصرف والتحويل، وإصرارها على حجز الأموال والاحتفاظ بقدرٍ من الاحتياط الأجنبي، فجاروا الدولار في ارتفاعه، وربطوا تسعيرة بضائعهم به، يرفعونها إذا ارتفعت قيمته، بل سبقوه وتجاوزوه في صعوده، واحتسبوا أسعار القديم كما الجديد ربطاً به، حتى غدت الأسعار مجنونة، والأرباح مهولة، وقدرات الناس معدومة.
دائماً وأبداً هناك مستفيدون من أوجاع البشر ومن مصائب الشعوب، ممن لا يعرفون الرحمة ولا الشفقة، ولا البر والخير، ولا المنح والعطاء، ولا يؤمنون بالجود والإحسان أو بالكرم والسخاء، ولا يقيمون وزناً للقريب والجار ولا للغني والفقير، أو الصغير والكبير والمرأة والرجل، والمريض والصحيح والمحتاج والقادر، والقوي والضعيف، ولا لأبناء شعبهم وأهل منطقتهم، أو لإخوانهم في دينهم وملتهم، أو أتباع طائفتهم ومذهبهم، بل يتساوى عندهم الأخ والصديق، والقريب والبعيد، والعدو والحليف، والصادق والكاذب.  
هذا الصنف من البشر لا يُقَدِرون غير الكسب والربح المادي من أي طريقٍ كان، حلالاً أو حراماً لا يعنيهم، غصباً أو سرقةً لا يهمهم، استغلالاً أو احتكاراً فهذا شأنهم، جشعاً أو طمعاً فهذه طبيعتهم، فهم لا يقدرون الدين ولا يحترمون تعاليمه، ولا يخافون من الله عزَّ وجلَّ ولا يقدسون الكتب السماوية، ولا يعيرون الأخلاق وزناً ولا يفسحون للقيم مكاناً، ولا تردعهم القوانين الدولية ولا تخيفهم أنظمة الدولة ولوائح النظام، فهم جزءٌ من السلطة أحياناً، أو هم أصحاب تأثيرٍ كبيرٍ فيها ونفوذٍ طاغٍ على أهلها.
هؤلاء هم أهل الدرهم والدينار وملّاك الذهب والدولار، المال بكل أشكاله وألوانه هو حاكمهم ومعيارهم، وعلى أساسه تقوم تجارتهم وتبرم عقودهم وتنهض مشاريعهم، وهم أطيافٌ فاسدةٌ من التجار ورجال الأمن، وأهل السلطة وأصحاب المناصب، الذين ينتفعون من الأزمات ويثرون في ظل الحروب، ممن يعرفون بـــ”القطط السمان” و”مصاصي الدماء”، الذين ينشطون في ظل الحروب والصراعات، وفي المحن والأزمات والأوبئة والكوارث، ويكونون على الشعب أشد خطراً من المحنةً نفسها، وأكثر ضرراً من الحرب ولو كانت طاحنة ومدمرة، وأعمق أثراً من الوباء أو المرض ولو كان قاتلاً فتاكاً.
لا شيء يحد من انتشار وباء كورونا المستجد وغيره، والحد من فتكه وقتله بالإنسان سوى التضامن والتكافل، والرحمة والتعاون، والتسامح والإخاء، فهذه المعاني الإنسانية النبيلة كفيلة بأن تخلق إلى جانب إجراءات الدولة الصارمة العادلة، المسؤولة الحريصة، فرصاً حقيقية لضبط الفيروس واحتوائه، والسيطرة عليه وإنهائه، أما أن نترك الأسواق التجارية تتحكم في مصائر الناس وصحتها، وعافية أبدانها وسلامة عقولها، ونسمح لفئةٍ من التجار ورجال الأعمال بالتلاعب بمستلزمات العلاج والوقاية طلباً للربح وسعياً وراء الكسب، فإننا نزيد في عمر الفيروس أكثر، ونضاعف ضحاياه ونوسع من مساحة انتشاره، لأن في هذا نفعٌ كبيرٌ لطبقة المستغلين الذين يحتكرون الأسواق ويتحكمون في مستوى الأسعار، فويلٌ للساكتين عن الحق، وتعساً للمتاجرين في أقوات الخلق، وصبراً للقابضين على جمر المحنة والوباء.
بيروت في 18/4/2020
moustafa.leddawi@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان لا ينبغي اختزال مستقبل الكورد السوريين في السؤال المتعلق ببقاء قوة عسكرية أو اندماجها في مؤسسات الدولة. فالقضية الكوردية في سوريا أقدم من جميع التشكيلات العسكرية القائمة، وأعمق منها، لأنها في جوهرها قضية سياسية ودستورية تتعلق بالهوية والحقوق والمواطنة والشراكة في الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن وجود الكورد السوريين داخل السلطة المركزية ومؤسسات الدولة، بوصفهم شركاء…

صلاح عمر سربست نبي ليس مجرد أستاذ جامعي أو كاتب كردي يختلف الناس حوله؛ إنه واحد من أولئك المثقفين الذين اختاروا أن يجعلوا من الكلمة مسؤولية، ومن الفكر موقفًا، ومن السؤال طريقًا إلى الحقيقة. ولهذا فإن ما يتعرض له اليوم من حملات إعلامية وتشويه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد خلاف شخصي أو سجال عابر، لأن القضية في جوهرها أكبر…

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   يبذل النظام الإيراني جهوداً متواصلة للحفاظ على شبكة وكلائه وحلفائه المسلحين في المنطقة، في وقت تبدو فيه البيئة الإقليمية والدولية أكثر تشدداً تجاه الدور الذي لعبته هذه الجماعات في زعزعة الاستقرار. فالإستراتيجية التي حكمت علاقة طهران بوكلائها خلال العقود الماضية لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل نفسه، خصوصاً بعد…

نورالدين عمر تتجلى قيمة القيادة الحقيقية في القدرة على بناء التوافقات في اللحظات التاريخية الحرجة. وفي هذا السياق، يظل الجنرال مظلوم عبدي الشخصية الأكثر قبولاً واحتراماً بين الكرد في سوريا وروجافا، حتى لدى أشد المعارضين والمنتقدين لنهجه السياسي؛ إذ يعكس هذا القبول الضمني إدراكاً عاماً بفرادة دوره كرمز جامع يتجاوز الخلافات الحزبية والأيديولوجية الضيقة. وعلى عكس ما يروجه البعض،…