الولايات المتحدة الأمريكية و المهدي !

مير عقراوي / كاتب بالشؤون الإسلامية
المدخل : لقد أضحى موضوع المهدي في مذهب الشيعة من المسلَّمات والأصول والثوابت المركزية الدينية ، وذلك لعاملين : الأول ؛ بحسب ما يعتقده الشيعة إنه إمامٌ من نسل علي بن أبي طالب ( رض ) . الثاني ؛ إنه الإمام الثاني عشر إذن ، فهو المهدي الموعود ، وهو صاحب العصر والزمان ، كل الزمان الى أن يظهر الى الوجود العلني ليس لقيادة الشيعة أو المسلمين وحسب ، بل لقيادة العالم كله ، وذلك بعد تأسيس دولة دينية عالمية كما يعتقد الشيعة بطبيعة الحال . للإشارة السريعة إن مقولة ( صاحب العصر والزمان ) تتعارض مباشرة مع التعاليم الإسلامية ، في مقدمتها التوحيد ، لأن مالك العصر وصاحب الزمان والأملاك والكون والأكوان وما فيها ، هو الله سبحانه .
المُلْفتُ للنظر والتأمل الواسعين إن ظهور المهدي الشيعي وقيامه سوف يكون قياماً راديكالياً دموياُ ثأرياً إنتقامياً وحقدياً الى أقصى وأقسى المديات . فهذا المهدي الشيعي لا يُبقي ولا يَذر ، وهو لا يقبل ولا يُعطي إلاّ بالسيف البتّار ، بل هو سوف يقوم ب< إحياء > شخصيات صحابية عظيمة ، مثل أبي بكر وعمر ، أو مثل عائشة زوج رسول الله محمد – عليه الصلاة والسلام – لأجل محاكمتها ، ومن ثم يقوم المهدي بجلدها ، ثم نحرها من الوريد الى الوريد ، في هذا الصدد يروي صاحب كتاب ( علل الشرائع ) الكلام الإفترائي التالي ونسبه زوراً الى الإمام جعفر الصادق – رض – ، فيقول : [ قال أبو جعفر : أما لو قام قائمنا < الإشارة الى الإمام المهدي الشيعي . مير عقراوي > ، لقد رُدَّت إليه الحُمَيْراء < الإشارة الى السيدة عائشة بنت الصديق أم المؤمنين ، حيث كان رسول الله محمد لكثرة حبه ومودته لها كان يُناديها بالحميراء ، فالسيدة عائشة أم المؤمنين كانت جميلة وبيضاء الوجه مُشربة بحمرة . مير عقراوي > حتى يجلدها الحدَّ ، وحتى ينتقم لإبنة محمد فاطمة منها ] ! يُنظر كتاب ( علل الشرائع ) لمؤلفه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق ، ج 2 ، ص 267 . هذا بالإضافة الى إعمال السيف نحراً وقتلاً كل من لا يعتقد بالإسلام وفق المذهب الشيعي . فحتى المسلمون السنة ، بخاصة العرب منهم ، حيث ينتقم المهدي من العرب شَرَّ آنتقام ، وهذا ما يؤكد تأثير النظرة العنصرية الفارسية نحو العرب ، والتأصيل العنصري الفارسي للمذهب الشيعي بشكل عام ، وهم غالبية الأمة – أي المسلمون السنة – لا يَسلمون من السيف الحقدي الإنتقامي الدموي البتّار للمهدي الشيعي ، لأنهم نواصبٌ أتباع أبي بكر وعمر اللذان غصبا الخلافة – الإمامة من عليً وظلماهُ وأذلاّهُ كما الزعم الشيعي الخيالي الجائر والباطل من جميع وجوهه ، وهو كذلك زعمٌ تراجيديٌّ كارثيٌّ ومأساويٌّ جَرَّ على الإسلام والمسلمين الكثير من الويلات والمصائب . هكذا المهدي الموعود الشيعي المنتظر سيكون ظهوره . سيكون ظهوره < نقمةً > كما ورد في المصادر الشيعية . [ قال أبو جعفر الصادق : إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً رحمةً ، وبعث القائم نقمةً ] ! . يُنظر كتاب ( بحار الأنوار ) لمؤلفه محمد باقر المجلسي ، ج 52 ، ص 314 . كذلك رواه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق في نوادر كتابه المسمى ب( علل الشرائع ) ، ج 2 ، ص 267
يقول محمد بن إبراهيم النعماني في كتابه عن موقف المهدي نحو العرب وقريش خلال خروجه : [ قال أبو عبدالله : اذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلاّ السيف ، مايأخذ منها إلاّ السيف ] . يُنظر كتاب ( الغيبة ) لمؤلفه محمد بن إبراهيم بن حعفر النعماني ، منشورات : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت / لبنان ، ص 154 ، ثم يقول النعماني أيضاً : [ عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن عاصم بن حميد الحنَّاط ، عن أبي بصير قال ، قال أبو جعفر : يقوم القائم بأمرٍ جديد ، وكتابٍ جديد ، وقضاءٍ جديدٍ على العربِ شديدٍ ليس شأنه إلاّ السيف ، لا يَستتيبُ أحداً ، ولا يأخذه في الله لومةُ لائم ] ! . يُنظر المصدر المذكور والمؤلف والمنشورات والمكان والصفحة .
الجدير بالإشارة هنا إنه يوجد تباينٌ واسعٌ بين المهدي لدى السنة ، والمهدي لدى الشيعة ، وهذا ما سنتطرق اليه في مبحث خاص مقارن آخر عند المذهبين . لذلك – كما قلت – هناك تباينٌ واسعٌ وخلافات كثيرة أساسية وجذرية بين المهدي في المذهب السني ، والمهدي في المذهب الشيعي الإثناعشري ..
قلت بأن مذهب الشيعة قد جعل موضوع المهدي أحد أصوله الدينية – المذهبية وأركانها ، والإمامة عموماً بشروطها المعقدة التي لا توجد ولا تتواجد إلاّ في أنبياء الله تعالى المُوحَى اليهم ، بخاصة أصحاب الرسالات كالعصمة مثلاً . كل ذلك أدخل المذهب في حالة تطرف وغلوٍّ شديدٍ الى حدود التأليه ، بل التأليه نفسه حينما نستقرأُ نصوصاً من أمهات الكتب والمصادر الأساسية له . بسبب ذلك أيضاً جعل المذهب يُأوِّلُ الآيات القرآنية ويُفسِّرها ليس بعيداً عن المقاصد القرآنية وحسب ، بل متصادماً معها بصورة مباشرة ، فمثلاً يروي العياشي في تفسيره الذي هو من أقدم التفاسير الشيعية وأشهرها عن الآية السادسة من سورة الفاتحة ما يلي : ( عن داود بن فرقد ، عن أبي عبدالله ، قال : [ إهدنا الصراط المستقيم ] ، يعني أمير المؤمنين ) ! . يُنظر كتاب ( تفسير العياشي ) لمؤلفه العياشي ، ج 1 ، ص 38 . بالمختصر إن المهدي في المذهب الشيعي مهمته وهدفه الغائي ليس إقامة دولة للمسلمين وحسب ، بل هدفه إقامة دولة عالمية في العالم كله سواءً رضيَ العالم ، أو كره ، وذلك بالمواصفات والخصائص التي تمت الإشارة اليها . !
الولايات المتحدة الأمريكية والمهدي : في أحد خطبه بالعراق ، في مدينة النجف تحدث الراحل السيد محمد محمد صادق الصدر [ 1943 – 1999 ] المرجع المذهبي العراقي خلال حرب الخليج الثانية عام [ 1992 ] بأن الولايات المتحدة الأمريكية أسست قوات التدخُّل السريع ، وذلك تحسُّباً لظهور المهدي وليس لأجل أمرٍ آخر .
يقول المرحوم السيد محمد محمد صادق الصدر في هذا الموضوع ما نصه / [ والآن إنكم تعلمون بأنه يوجد من الأخبار ما يكفي من أن أمريكا أسست ما يسمى بقوات التدخل السريع تحسباً لظهور المهدي وليس لشيءٍ آخر . كما إنها قدِ آفتعلت حرب الخليج لأجل أن تملأ الخليج بالبوارج الحربية تحسباً لظهور المهدي .
كما إنه من الأكيد أن له في البنتاغون < البنتاغون ، هي وزارة الدفاع الأمريكية . مير عقراوي > ملفَّاً كاملاً وضخماً عن أخباره التي تستطيع أمريكا جمعها ، حتى قالوا إنه يفتقد للصورة الشخصية له ، طبعاً وهي مفقودة ] ! . يُنظر كتاب ( منبر الصدر ] خطب الجمعة لمحمد محمد صادق الصدر ، تقرير وتحقيق السيد محسن الموسوي ، الناشر : دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع ، تاريخ النشر 2003 ، ص 358
واضحٌ إن الصورة الشخصية المقصودة المفقودة لدى أمريكا كما قال السيد محمد محمد الصدر ، هي صورة الإمام المهدي . هكذا ، وبكل بساطة وتبسيط تحدث الراحل السيد محمد صادق الصدر ، وهو الذي كان في حينه أحد المراجع الشيعية في العراق عن موضوع حرب الخليج الثانية ، والسبب في تشكيل الولايات المتحدة الأمريكية لقوات التدخل السريع بالمنطقة بحسب تحليله الواسع للمستجدات والأحداث ومعلوماته الدقيقة ، هو [ تحسباً لظهور المهدي ] ، كما إنه أكد جازماً [ وليس لشيءٍ آخر ] . ثم الغريب جداً في مقولة المرحوم السيد محمد صادق الصدر ، هو قوله بأن وزارة الدفاع الأمريكية أعدت حول < الإمام > المهدي وأخباره [ ملفاً كاملاً وضخماً ] ! .
شبيهاً لِمَا قاله المرحوم محمد محمد صادق الصدر ، قاله أيضاً السيد ملا كريكار الزعيم السابق ل[ جماعة أنصار الإسلام ] المتطرفة ، إذ قال بأن قوات التحالف الدولية ، في مقدمتها قوات الولايات المتحدة الأمريكية أتت الى المنطقة بهدف الحرب مع الجماعة المذكورة ! .
هنا تذكرتُ مقولة للمفكر السوري المعروف جودت سعيد ، وهي : إن أمريكا تتعامل ، أو تتصرَّفُ معنا حسب عقولنا ، أي بحسب مستوياتنا الفكرية والمعرفية والثقافية التي لا يُحسد عليها …

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…