أنا والعنكبوت وفيروس كورونا

إبراهيم محمود
قبل ربع قرن لُدِغتُ من عنكبوت، ازرقّ كامل جسمي تقريباً، فخضعت لعلاج استمر قرابة ستة أشهر، من قبل كل من الصديقين: الدكتور الراحل فارس كره بيت، والدكتور بشير أحمد. عانيتُ خلالها آلاماً، وحالات إغماء وشعور بالغثيان إذ كنت أتعرض لها لسنوات فيما بعد دورياً، بمجيء يوم اللدغة، سوى أن الذي استفدتُ منه هو أنني كنت أعاني سابقاً من آلام ” القُلاع ” الذي كان شبه ملازِم لي، فانتهى أمره نهائياً، لا بل وشعرت بقوة حاسة البصر. أعني بذلك، أن فعالية السم التي دخلت الدم، وعولجت السمّية هذه، أصبحت مصدر قوة لهذا الدم نفسه . 
ما أريد قوله، من كل ذلك، ليس سرد واقعة حياتية، إنما واقعة تاريخية، يعلَم بها العديد من الأصدقاء حتى الآن، ذات صلة بواقعة راهنة وثقيلة الوطء، وهي واقعة فيروس كورونا، حيث إن أكثر الرهانات اليوم، تدور حول كيفية إيجاد مصْل وتنشيط الدم بالمقابل، على طريقة ” وداوني بالتي كانت هي الداء “. أي كيفية أخذ بروتين من فيروس كورونا نفسه، وتحويله إلى دواء، للقضاء على الفيروس نفسه، وفي المحصّلة، فإن معرفة الدم، بزمرته، جهة المصاب والمعافى، تكون مدخلاً لمعرفة الكثير من حركة فيروس كورونا، وهو ما يتم التأكيد عليه عالمياً.
ولا أتحدث هنا كطبيب، فليس لي مقدرة طبعاً للدخول في حيثيات الطب، سوى أن الذي أستطيع التشديد عليه، ومن خلال خبرة حيّة، هو هذا الدم الذي لا يستهان بأمره، فنحن نتحدث عن الأمزجة المختلفة، وعن تغيرات كيميائية، في حالات الانفعال، وعن سَورة الدم، وعما نتعرض له في حال الفرح أو الغضب أو الغضب، وهي حالات تترجمها حركة الدم عبر الأوردة والشرايين، والضغوطات التي تثقِل على القلب بالذات. لنكون في الحالة هذه رهائن دمنا، وأننا فيما نسميه مشاعر أو عواطف أو  توترات مختلفة، نجد صوراً ” شعاعية ” متلونة وذات خطوط مختلفة عبر الدم. وليس ضبط الأعصاب إلا التحكم بفورة الدم، ليكون الهدوء هو المحصّلة.
ولا بد أن مفاتحة مفهوم الجينات، وما للجينات ” المورثات ” من صلة مباشرة بسريان فعل الدم في الجسم، تكشف عن عوالم هائلة غاية في المجهرية، عبر وسائط مصنّعة تتخلل الدم، أو يريها الدم إيانا . ليكون الدم متراسنا ونبراسنا، خندق وقاية لنا وعنصر وشاية علينا، مع أي ضعف، كما أنه عامل صد لأي فيروس مع كل عامل تحصين بدواء معين. والأكثر من ذلك، وفي العودة إلى البداية، يبرز السم مركَّباً هنا: فهو داء ودواء” استعيدوا صورة الحيّة المرسومة أعلى كل صيدلية، ورأسها يتدلى على كأس، تمثّل منهل حياة أو عافية “. في السم يكون الموت والحياة، يعني أن ليس من دواء إلا وفيه نسبة من السّمّية ” بالمناسبة، ولعلم من لا يعلم أن كلمة ” الصيدلية ” تقابل الكلمة اليونانية الأصل φάρμακον ، pharmakon وتعني السم والدواء “، وبالمقابل، فإن كلمة ” فيروس ” ذاتها، تعني في اللاتينية: عصير، مزاج، سم، عدوى…الخ “، وليس من غرابة في ذلك، إذ إننا نعيش وسط كم هائل من الفيروسات، ودونها تنعدم الحياة، وليكون الفيروس نفسه ثنائي الدلالة: سلبي وإيجابي، ورهان الطب، هو في كيفية التفاعل مع الفيروس ليكون معيناً للجسم لا مدمراً له، ولهذا أيضاً، يكون هدف الطب المخبري هو في كيفية تحويل هذا الفيروس ” فيروس كورونا ” إلى عنصر حيادي ومن ثم فاعل إيجابي للجسم ” كيفية أخْذ بروتين منه وتحويله إلى وسيلة علاجية للمصاب به، بطريقة معينة، ونظراً للدقة المجهرية الهائلة جداً لهذا الفيروس، لم يتم التوصل بعد إلى معرفة كنهه، ليصبح هذا ” العدو اللدود ” صديقاً حميماً للجسم، وقد عولِج مخبرياً .
فيروس كورونا يعمل تبعاً لقانونه الطبيعي، والتحدي الكبير من قبل الذي يتصدى له، وقد أشكل عليه مفهوماً، هو في كيفية تفعيل أثره طبياً، أو صيدلانياً، وهذا يجعل من معرفة الطبيعة أمراً لا غنى عنه. فلا يطيع الفيروس إن لم يُطَع.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…