نجاح الديمقراطية وفشل الانقلاب الابيض في العراق…

 مسعود حيدر
لايخفى على متابع ان العراق مر بانقلابات دموية كثيرة منذ تاسيسه وعانى مكونات الشعب العراقي الامرين ودمر البلد وهدرت ثرواته وشرد مواطنيه. وبعد عام ٢٠٠٣ بدأت مرحلة جديدة في العراق وبجهود المناضلين الوطنيين رسمت ملامح نظام سياسي ملائم لتطلعات ابناء الشعب العراقي بدستور يرسخ مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان ويكون اساسا متينا لبنيان دولة فدرالية.
على مدى اكثر من ١٦ عاما لم تستطع الحكومات المتعاقبة وضع رؤى مستقبلية واضحة للنهوض بالاقتصاد العراقي وتحسين حياة الناس وتقديم الخدمات الاساسية لهم وتوفير الحياة الكريمة لهم، فانطلقت في تشرين الاول ٢٠١٩ المظاهرات مطالبة بمحاربة الفساد وفرص العمل وحياة كريمة وهي مطالب حقة ودستورية.
كنتيجة لمجريات الاحداث والمتغيرات بعد المظاهرات تم تكليف السيد محمد توفيق علاوي لتشكيل حكومة مستقلة باعتباره شخصية مستقلة، حيث يكن الرئيس بارزاني والقيادة السياسية في كوردستان جل الاحترام والتقدير لشخص السيد محمد توفيق علاوي ولعائلته الكريمة. وقد روج له وتم اظهاره باعتباره من المستقلين وسيكون هو المفتاح لتنفيذ مطالب المتظاهرين وحل مشاكل العراق الذي يعاني الشعب العراقي من تبعاته. وبعد شد وجذب تم تكليفه لتشكيل الحكومة الجديدة في بغداد، وبعد التكليف ومن خلال تعامله وتصريحاته وجدنا بان التصورات حول كونه مستقلا لم يكن دقيقا ووصلتنا معلومات دقيقة بانه لايتمتع باية استقلالية وظهرت الظلال حوله.
والسؤال المطروح كيف تم تكليف السيد محمد توفيق علاوي؟ حسب المعلومات المؤكدة بأن العملية كانت مخطط لها من خارج العراق وسنوضحه في النقاط التالية :
١- اتفق السيد مقتدى الصدر مع السيد هادي العامري في مدينة قم على تكليف السيد محمد توفيق علاوي ووافقهم السيد برهم صالح رئيس الجمهورية على ذلك.
والسؤال المطروح كيف تم الاتفاق وكيف بامكاننا ان نطلق على المكلف صفة المستقل !
٢- اتفق السيد برهم صالح مع السيد مقتدى الصدر بان يحدد المرشحون للوزارات عربا وكوردا من قبل سكرتارية رئاسة الجمهورية، وتم تنفيذ جزء كبير منه.
وكان للسيد برهم صالح هدفين اساسيين في هذه العملية:
أ- الانتقام من زملائه في الاتحاد الوطني الكوردستاني بسبب عدم اختياره رئيسا للحزب
ب- الانتقام من الحزب الديمقراطي الكوردستاني لعدم دعمه سياسيا.
كما اراد السيد برهم صالح ان يرسل رسالة الى القيادة الكوردية بانه المتحكم بحقوق الكورد واستحقاقاته في بغداد.
٣- كان للسيد هادي العامري اجندته ايضا وقد اتفق مع السيد مقتدى الصدر بان حكومة السيد محمد توفيق علاوي ستكون حكومة مؤقتة وقد وعده السيد مقتدى الصدر بان الحكومة القادمة ستكون برئاسة العامري.
٤- ايضا كان للسيد الصدر اجندته الخاصة حيث اراد ان يملأ مرافق الدولة بكوادر حزبه خلال هذه الفترة من حكومة السيد علاوي. وقد بدا من تصريحاته ملامح الاعداد لمرحلة خطرة في العراق بتهديده للمكونات ووصفه البيشمرگة بالمليشيات رغم دستورية وجوده، فتصريحاته لم تكن في خدمة العملية السياسية والسلم المجتمعي بعد ما مر به العراق من حرب اهلية دموية راح ضحيتها عشرات الالاف من الابرياء من جميع محافظات العراق.
 
ما عرضناه هو انقلاب ابيض على العملية السياسية والشراكة في الدولة العراقية. وشخص السيد محمد توفيق علاوي كان يتعامل ويستنتج على اسس غير طبيعية و بالاستخارة وكان يلجأ الى المنجمين وعلى ضوءه كان يتعامل مع الامور في تشكيل حكومته، وقد ترسخت لديه القناعة بانه منقذ لهذا الشعب ومكلف بأرادة ربانية وسيصنع المعجزات، ولذلك اصابه الغرور وقرر عدم التعامل الا مع الذين ذكرناهم انفا ولم يكن واقعيا في قراءته لمشاكل العراق والعملية السياسية ولم يستطع اقناع جميع مكونات العراق شيعة وسنة وكوردا لدعمه فلم يوفق في مهمته.
ادرك الرئيس بارزاني والقيادات الوطنية العراقية خطورة ما تم التخطيط له، لذلك وبالوسائل الديمقراطية والحوار والتواصل تم افشاله لانقاذ العملية السياسية وتفادي دخول العراق في نفق مظلم، كان الاقليم المستهدف الاول فيها ككيان سياسي دستوري والسنة كمكون والاحزاب الوطنية الشيعية كانوا ايضا من المستهدفين، فمجمل العملية الديمقراطية في العراق كانت في خطر. وقد بدؤا مع اقليم كوردستان بايقاف صرف رواتب الموظفين.
كان للاحزاب والكتل الكوردستانية موقف مشرف ومسؤول خلال هذه الفترة وفيما يتعلق بالية تشكيل الحكومة الجديدة وهو محل تقدير شعب كوردستان والزعيم مسعود بارزاني. وقد تعاملت الاحزاب الكوردية من منطلق المسؤولية تجاه جميع مكونات الشعب العراقي فالحفاظ على امن واستقرار العراق والعملية الديمقراطية هي مسؤولية وطنية واخلاقية.
العراق بلد متعدد الاعراق والثقافات، لضمان امنه واستقراره، لذا فأننا بحاجة الى بناءه على ركائز الشراكة والتوافق والتوازن ولضمان تنميته يجب ان نضمن الامن والسلام معا كمكونات لهذا البلد. ولتشكيل الحكومة وبناء العملية السياسية في الفترة القادمة فأن الفرصة سانحة؛
١- للاصلاحات في مؤسسات الدولة الادارية والمالية.
٢- لمعالجة المشاكل السياسية والامنية والاقتصادية والتجاوزات على الدستور العراقي.
٣- لأحياء مبادئ الشراكة والتوافق والتوازن في ادارة الدولة العراقية.
ختاما، فان نتاج عملية تشكيل هذه الحكومة كان لمصلحة العراقيين لكونه ساهم وبجهود الجميع في اضعاف نهج فرض الارادة والامر الواقع في العملية السياسية.
——————
شفق نيوز
——————- 
  إذا اعجبتك المادة يرجى مشاركتها مع اصدقاءك من خلال النقر على رموز وسائل التواصل الاجتماعي في اعلى الصفحة 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…