تركية وتحديات المرحلة الجديدة

مسعود عكو

انتهت الانتخابات، وأحكم حزب العدالة والتنمية، قبضته على سدة الحكم من جديد، وظفر عبد الله غول بالرئاسة، ونسبة /46,93/ بالمائة من أصوات الناخبين، ضمنت لهم الفوز بـ/342/ من أصل /550/ مقعداً في البرلمان، الأمر الذي يمنحهم صلاحية مطلقة لتشكيل حكومتهم منفردين، أما الحزبان المقربان من المؤسسة العسكرية، حزب الشعب الجمهوري فقد كانت المرتبة الثانية من نصيبه بنسبة /20,72/ بالمائة، وحصل بذلك على /112/ مقعداً، في حين حصل حزب الحركة القومية على المرتبة الثالثة بنسبة /14,39/ بالمائة، ليحصل بذلك على /70/ مقعداً، كما أن الملفت للنظر فوز /24/ مرشحاً كردياً بمقاعد في البرلمان التركي بعد استبعادهم عن الحياة البرلمانية مدة /13/ عاماً، أما نصيب النواب المستقلين فقد كان /5,08/ بالمائة، فحصلوا بذلك على /26/ مقعداً.
الفوز الذي سجل كانتصار شخصي لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، ذي الشعبية الواسعة في المجتمع التركي، والمتهم من قبل علماني تركية، وجنرالاتها بمحاولة أسلمة مؤسساتها، واجهته المؤسسة العسكرية مراراً، هذه المؤسسة التي اسقطت أربع حكومات منذ العام /1960/ والتي تهدد باستمرار من مغبة المساس بمبدأ العلمانية، التي تقوم عليها الدولة التي اسسها مصطفى كمال اتاتورك في /1923/ وحاولت من خلال القضاء التركي، منعه من مزاولة العمل السياسي، حيث أقام المدعي العام لمحاكم التمييز التركية صبيح قناد أوغلو، دعوى لحل حزب العدالة والتنمية، كما صرح في وقت سابق رئيس المحكمة الدستورية التركية مصطفى بومين، أن الدعوى التي أقامها المدعي العام في محاكم التمييز التركية لحل حزب العدالة والتنمية، لا يمكن الانتهاء منها في غضون فترة زمنية قريبة.

الانتخابات التي تبدي ظاهراً مدى ديمقراطية بلد مثل تركية، غالبية شعبه مسلمون شبه أصوليون، في حين يحكم البلاد من خلف الستار، جيش لا ديني متمسك بعلمانية مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، وأردوغان الذي ظهر كقيادي سياسي شاب، ومنذ بدايته السياسية تعهد أن يمضي قدماً في الاصلاحات السياسية، والاقتصادية المطلوبة للانضمام إلى الاتحاد الاوروبي.

لكن رغم كل ذلك الفوز يفتقر حزبه إلى أغلبية الثلثين في البرلمان، اللازمة لتغيير دستور تركية، ويتعين عليه التحالف مع أحزاب علمانية، وقومية للمضي في مشاريعه.
حزب العدالة والتنمية، سيواجه القوميين الأتراك الذين سيمنعون بكل ما أوتيوا من قوة، منح المزيد من الحقوق للأقليات العرقية، والدينية وبخاصة الكرد، الحليف الأكثر استراتيجية لأردوغان، وخاصة بعد حصول حزبه على أعلى النسب في مناطق كردستان تركية.

كما أن الاصلاحات الاخرى التي يريدها الاتحاد الاوروبي، وإرسال المزيد من  القوات إلى الحدود مع كردستان العراق، للقضاء على مقاتلي حزب العمال الكردستاني القوة المسلحة المعارضة، التي يقاتلها الجيش التركي منذ عام /1984/ في صراع راح ضحيته أكثر من 30 الفاً.

كل هذا سيكون في الأجندة.
من الناحية الاقتصادية والأهم بالنسبة لأردوغان، يرى اقتصاديون أنه يمكن أن يمضي الأن قدماً في سياسات السوق الحرة، التي أدت بالفعل إلى نمو اقتصادي كبير، واستئناف محادثات الانضمام للاتحاد الاوروبي المتعثرة، رغم أن التململ المتزايد في تركية من مماطلة الاتحاد في قبول انضمام تركية، ومقاومة فرنسا لمساعيها الانضمام للاتحاد، مثيرة بذلك قضية الإبادة الجماعية للأرمن، قد تثيران مشاكل في المستقبل.
البرلمان التركي الجديد يواجه جملة من التحديات، القضية الكردية في تركية، وإتمام المباحثات للانضمام إلى الاتحاد الأوربي، كما أن مقارعة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، والانقسام المتزايد حول دور الإسلام في المجتمع التركي، وزيادة مخاوف العلمانيين من أن الحكومة الإسلامية، قد تزيد من التأثير الديني على السياسية في تركية العلمانية، من أهم المواجهات التي سيخوضها العدالة والتنمية، التي يجب أن يتوخى الحذر فيها.
رغم أهمية علمانية الدولة التركية وعدم أسلمتها، تعتبر القضية الكردية في تركية، من أهم القضايا التي تعيقها من دخول القفص الذهبي الأوربي، والتي غالباً تجابه محادثاتها بسيل من الأستفسارات والمطالبات، بحل المعضلة الكردية، والتي يطالب الكرد فيها، بالمزيد من الحريات، والديمقراطية، والحقوق الأساسية، السياسية والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية للقومية الكردية فيها.

كما أنها تعتبر من أهم القضايا الداخلية، التي يواجهها حزب العدالة والتمنية، لما لهذه المشكلة من دور في خلق توتر في المؤسسة الحاكمة، والمتأزمة بين الجيش العلماني القومي، وبين الإسلاميين الصلاحيين، الذي يعول الكرد عليهم الكثير، مؤكدين على الدوام بأن مهمتهم في البرلمان  المساهمة في السلام والديموقراطية، مع المطالبة برؤية جديدة للمشكلة الكردية.

وركز المرشحون الكرد في حملتهم على عنوان المصالحة بين الشعبين الكردي والتركي، وطالبوا أنقرة بالتخلي عن الخيار العسكري ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني، وبمنح القومية الكردية المزيد من الحقوق.

رجب طيب أردوغان، وعبد الله غول، وكل الحكومة والبرلمان التركي، المتمثلين بحزب العدالة والتنمية، أمام تحديات حقيقة قد تودي بتركية إلى المزيد من الانفتاح الاقتصادي، والسياسي، وممارسة المزيد من الديمقراطية المحمية من الجيش العلماني، والحريص على عدم إنجرار الإسلام في كيانات الدولة الكمالية.

هذا الانتصار للعدالة والتنمية، يفتح لها المزيد من الآفاق التي قد تستهلها بالإنضام للاتحاد الأوربي، والسعي الحقيقي والجاد لحل القضية الكردية في تركية التي آن الآوان لحلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…