اتفاق سوتشي في ميزان الربح والخسارة

أكرم الملا
ان اتفاق سوتشي كأي اتفاق يجري لوقف اطلاق النار، لابد أن يكون هناك رابحون وخاسرون وخاصة هناك خمسة أطراف اساسية ذات الشأن بموضوع هذا الاتفاق وهم روسيا والولايات المتحدة وتركيا والنظام السوري وقوات سورية الديمقراطية . 
من النظرة الأولى الى الاتفاقين المبرمين مع موسكو وواشنطن ونتائجهما التي اوقفت الغزو التركي على كوردستان سورية، يبدو وكأن أنقرة حصلت على مطلبها الرئيسي المتمثل في ابعاد مسلحي ” قسد ” عن حدودها وبالنتيجة تكون تركيا هي المربحة. لكن اذا نظرنا من الناحية الاستراتيجية الى الموضوع، وبعد الانسحاب الأميركي المفاجىء بالنسبة لنا نحن البسطاء وبالتأكيد ليس المفاجىء بالنسبة لروسيا الدولة والقوة الشريكة لأميركا في ادارة سورية وشؤونها وأزمتها،
 فهذا الانسحاب ربما كان بتوافق روسي – أميركي لاعطاء الدور لحكام التماس ( روسيا و تركيا ) بادارة اللعبة الدائرة على الملعب السوري، ولكن أميركا كما يبدو انها تترك لنفسها كحكم الساحة الرئيسي، حق اطلاق الصافرة النهائية لانهاء لعبة الأُمم الدامية في سورية، وهذا سيتيح لروسيا بأن تلعب دوراً قوياً في فرض تسوية لصالح النظام السوري واعادة تدويره وبمعرفة وموافقة الولايات المتحدة التي قررت تكليف روسيا بهذه المهمة كي لايبدو انها هي التي تساهم في تثبيت النظام السوري وبقاءه. 
ستوسع تركيا التي تسيطر أصلا على مناطق في شمال سوريا اثر هجومين سابقين غرب الفرات، حضورها شرق الفرات مع اقامة منطقة بطول 120 كلم وعمق 20 ميل بين بلدتي كري سبي ( تل أبيض ) وسري كانيه ( رأس العين ) اللتين انسحبت منهما قوات سورية الديمقراطية. ومن جهة أُخرى سينتشر جيش النظام في مناطق كانت خارج سيطرته لأكثر من ثمان سنوات، وذلك بعد الاتفاق بين ” قسد ” وقوات النظام على انتشار القوات السورية النظامية على الحدود السورية التركية، ماعدا المنطقة بين تل أبيض ورأس العين، وهذا بحد ذاته انجاز ومكسب كبير للنظام السوري بتوسيع الرقعة الجغرافية الواقعة تحت سيطرته. 
وبموجب اتفاق ابرم الثلاثاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس تركيا رجب طيب اردوغان في سوتشي ، تعهدت موسكو اخراج مسلحي ” قسد ” من هذه المناطق بالتنسيق مع الجيش السوري لابعادهم الى ما لا يقل عن 30 كلم عن الحدود السورية مع تركيا. ان هذا الاتفاق يخدم خصوصا الجيش السوري، الذي يستعيد بذلك السيطرة على كامل المنطقة الكوردية بدون أن يطلق رصاصة واحدة.
ربما تبدو تركيا كمنتصر بارز في المدى القريب، لكن روسيا وسوريا هما اللتان ستجنيان المحصول الأوفر من التدخل التركي . اكبر الخاسرين في هذه الصفقات هي القضية الكوردية في سورية، التي طلب من يدعون تمثيلها وصاية دمشق وموسكو، ومع الانسحاب الأميركي من سوريا باتت تسوية النزاع حصريا بين أيدي رعاة استانا اي ايران وتركيا وروسيا. وكما لاحظنا لم تتم الاشارة في اتفاق سوتشي الى الامم المتحدة او جنيف بل فقط الى استانا.
ان الرابحين هم روسيا وايران وتركيا والنظام السوري. والخاسرون هم الكورد وحقوقهم في المدى البعيد (( والادارة الذاتية )) بكانتوناتها في المدى القريب، لكن كما يبدو أن الجائزة الكبرى هي من نصيب النظام السوري وروسيا مناصفة حيث استعاد النظام السيطرة على حدود وعدة مدن اساسية وطرق نقل مهمة، أما الروس فباتوا الفاعل الرئيسي في سوريا وفي المنطقة وما جولات الرئيس الروسي بوتين الخليجية خير دليل على دور جديد وفعال فمنطقة الشرق الأوسط عموماً. 
لكن تفوح من هذه الاتفاقات رائحة المقايضات، حيث يرى البعض أن تركيا ربما ستغض النظر عن عملية عسكرية للنظام في ادلب مقابل ابعاد مسلحي ” قسد ” و   ” الخطر الكوردي ” المزعوم عن حدودها، وهذا ما بدا واضحاً بزيارة رأس النظام السوري الى خطوط التماس في ادلب. 
ان الاتفاق الروسي التركي سيدفع على الارجح انقرة الى ان تجنح أكثر لقبول استعادة النظام لادلب، لأن مقاومة الميليشيات الموالية لتركيا ستكون ضعيفة مع غياب دعم انقرة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…