اللجنة الدستورية وصراع الذهنيات

صبري رسول
ستبدأ اليوم الأربعاء في جنيف اللجنة الدستورية السورية أولى جلساتها في وقتٍ يسود أجواء سوريا خوف وقلق وعلى الأرض مازالت هناك معارك جانبية في كثير من المناطق.
الصراع في اللجنة الدستورية سيكون على أشدّه بين ذهنياتٍ مختلفة، لا تغيب عنها آثار التاريخ الدموي الطويل الذي أسّس ثقافةً في غاية الحدة لرفض الآخر، قامت عليها مجتمعات أفرزت «القاعدة وجبهة النصرة وداعش» 
الذهنية الأولى: ذهنية البعث:
هذه الذهنية تعود إلى بدايات الفكر العربي الذي حاول كسر القيود المفروضة عليه من الخلافة العثمانية وليليها الطويل، فارتدّ على المجتمع العربي بدكتاتورياتٍ دموية أباحت كلّ شيء، بما فيه تدمير المجتمع بشكل كامل. هذا ما حصل في سوريا والعراق، وبعض الدول الأخرى. ذهنية لاتقبل بوجود الآخر المختلف دينياً وقومياً، وتنظر إليه نظرة العداء القاتم. هذه الذهنية هي الحاضرة في وفد النظام الذي استباحت سورياً كمزرعة خاصة، وتركتها جثة استقطبت كلّ التيارات الإرهابية إليها.
الذهنية الثانية: ذهنية ما يسمّى بـ«المعارضة السورية» التي لم تعُد معارضاً حقيقياً، بل قوة وحشية ظلامية تسعى لاستلام السلطة. الثورة السورية انطلقت بشكل عفوية غير منظم لرفض النظام الدموي الدكتاتوري. كان الناس تسعى للحصول على حرياتها وقوت يومها الكريم، لكن الدول الأخرى كتركيا وقطر قامت بتصفية الشرفاء من العسكريين (تصفية جسدية وإقصائية) والسياسيين (بتهميشهم وإبعادهم) عن مصدر القرار. المعارضة الآن لا تمثل النبض الشعبي الذي هتف للحرية في الشارع السوري. وإذا استلمت هذه القوة سدة الحكم ستغرق سوريا كأفغانستان في صراعاتٍ لا تنتهي خلال عقود قاسية.
الذهنية الثالثة: تمثّل بعض المتنورين والشرفاء «قلة جداً» من كل الاتجاهات والوفود، في وفد النظام والمعارضة والمجتمع المدني، لكنهم لا يملكون إرادة القرار، يملكون خبرات حقوقية جيدة.
هذه الذهنية هي الحلقة الأضعف في اللجنة الدستورية السورية التي اشتغل عليها ديمستورا طويلاً، وأكملها السيد بيدرسون ليتوج بانطلاقتها اليوم. بقدر ما كان المثقف والأكاديمي والمتنور السوري محارَباً في السابق، إلا من كان ولاؤه يسيل على بياض التقارير، فهو اليوم في هامش الظل يلوك الكلام، ويجترّ المرارة في غربته الاجتماعية والمكانية والنفسية. ولن يترك بصماتٍ قوية على الدستور الذي سيقود السوريين لعقود طوال، ويقرّر مصير شعبه من كردٍ وعرب وأقليات أخرى.
لكن ما يثير التساؤل المريب، أنّ الكُرد يشكّلون 10% من السكان، بمعنى كان لهم حق 30  شخصاً في اللجنة، أو وفق تقديرات النظام (5%) أي 15 شخصاً، بينما في الحقيقة لا يحضر منهم سوى شخصان. فأي مستقبلٍ ينتظره الكرد السوريون ضحايا الحزام العربي والإحصاء والتجريد المقيت، وضحايا رأس الحربة ضد داعش. 
هل ستنتج اللجنة الموقرة دستوراً عصرياً يحفظ حقوق كل السوريين، ويحمي حقوق العرب والكرد والسريان؟ الدستور الذي سيوفّر العدالة والمساواة في دولة عصرية يتباهى بها السوريون أم دستوراً يحضره ظلام التاريخ والريح الدكتاتورية وعنجهية عصور الوسطى؟. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…

عاكف حسن في كل مرحلة سياسية معقدة، يظهر مصطلح يلمع أكثر مما يشرح، ويُستخدم أكثر مما يُفهم. في حالتنا، اسم هذا المصطلح هو: “الاندماج الديمقراطي”. هذه ليست نظرية سياسية بقدر ما هي وصفة سحرية جاهزة، خرجت من فضاء أفكار عبد الله أوجلان، لا من رحم التجربة السياسية والاجتماعية لروجافا. ومن هنا يبدأ الالتباس: مشروع لم يُصغَ على قياس طموحات الناس…