صـراع على (ظـل العربــة)…

ديـــار ســـليمان

  كم أضحكنـي عزيـز نيسـين في روايتـه (زوبك زاده) أو الزئبـق، فلقـد أمـضيت  في قراءتهـا الليـل بطـوله و عرضـه وأنا أحـاول عبثـآ ترك بعضهـا ليـوم آخـر أو السـيطرة على قهقهـاتي مع كل كلمـة أقـرأها و كل موقـف يمـر به أبطالهـا.

 و بمناسـبة الحديث عن الضحـك، فهنـاك من يكفيـك النظـر إليه حتى تنطلـق في ضحكـة مجلجلـة لا تنتهـي وهناك من تتحـول النكتـة على لسـانه الى مأسـاة تثـير من الحـزن أكثر مما تثـيره من ضحك، كمـا أن هنـاك من يكـدرك و يثيـر شـفقتك في الوقت ذاته أثنـاء محاولتـه لعـب دور يفـوق إمكاناته فيتحـول الى اضحـوكة لان ما يقـوم به ليـس إلا نوع من التهـريج، رغـم محاولاتـه الفاشلـة باعطـاء الانطـباع بأن ما يقـوم به هو منتهـى الجـد.
المهـم، لنبقى في أجـواء تلك الروايـة التي  تلخصـت فلسفتهـا في المثـل الذي أرفـق بالعنـوان والذي يقـول: (الكلـب الملتجـي في ظـل عـربـة ينظـر الى ظلهـا فيحسـبه ظلـه)،  حيث تـدور أحـداثها في أجـواء هذا المثـل الذي يلقـي بظلالـه على تلك الاحـداث، فمـع ازدياد ميـلان الشـمس يتطـاول ظــــل العربـة و يكـبر فيتضخـم بالتالـي الوهـم لـدى الكـلب الـذي يغـادر مـكانه و هو يحمـل في رأسـه أوهامـه تلك التي بناهـا متأثـرآ بظـل العربـة ومـستفيدآ من عـدم محـاولة أحـد مـا زحـزحـتها من مـكانها و بالتالـي و ضـع هذا المخلـوق في حجمـه الطبيعـي.
وتتوالى أحـداث الروايـة في أوضـاع تشهـد حلـول الأسـتثناء محـل القاعـدة و تحكمهمـا بحيـاة الناس فيما يشبـه حلـول الظـلام حيث يجيـد (بطلنـا) لعبتـه اذ يخلـط الحابـل بالنابـل،  فيلتبـس الأمـرعلى البعـض و يضيـع الـفارق بين الظلـين، فيحـدث  عندئذ خـلل في مـيزان الأخـلاق العامـة حـيث تحـل الرذائـل محـل الفضـائل و ينحـدر عليـة القـوم ليحـل محلهـم ارذالهـا.


و هكـذا هو الأمـر مع من يجـد نفسـه لفـترة من الزمـن في ظل نهـج البرزاني الخالـد، فرغـم أن هذا النهج يحفـز الفكـر على إنتـاج كل ما هو وطنـي و إنسـاني إلا أن السـبات الفكـري الذي أصـاب هـؤلاء هو من العقـم بحيث يمتنـعون عن إنتـاج كل ما هو مفيـد، لكن هذه العطالـة الفكريـة لا تمنـع انطـلاق الخيال في عالـم رحـب من الأوهـام لتحصـد منه كل ما هـو شـخصاني و مـؤذي لصاحبـه و لنـا، من قبيـل إجـترار أبحـاث الآخرين و أعادة طرحها و تجـييرها لنفسه، كأبحـاث إرجـاع المفـردات الى أصولها الكورديـة، بحيث يبدو الناشـر و كأنه صاحـب هذه المجهـودات.
 و ما دام الشـيء بالشيء يذكـر، و ما دمنا في أجـواء الأدب التركي، فهنـاك نـادرة تقـول بأن اللغـويين التـرك قد أصابتهم الحميـة القوميـة فأجتمعـوا و أجمعـوا على تخليـص لغتهم من الكلمات الغريبة الدخيلة (الكوردية و العربية)، و كانت نتيجة أعمالهم قاموس لغـوي تركي (خالـص) عنوانـه (تعـديل زه مـان)! و بالمناسـبة لدينـا من الكورد من يدعـي بأنه ضليـع (إضافة الى السياسة)  ليس بلغته فحسـب بل بالعربية أيضآ و بأنه يحمل شهاداتها العليا و عمل مدققـآ و محققـآ و مصححـآ… و كدليل على فحولتـه اللغـوية  كتب  في أثنـاء إستعراضه (لكاراتـه اللغوية السـبع) موجهـآ كلامه لنـا: سـأفاجؤه… و فعلآ تفاجئت بكتابته لهذه المفردة بهذا الشكل، لكن المفاجـأة غير السـارة ستكـون لكل طالـب يكون قد كتبها بشكل صحيح و تفاجـأ (بتصحيحها) من قبل (صاحبنا)  بذلك الشـكل.
 و عـود على بـدء، فالصـراع على ملكيـة ظـل العـربة لم يعد خافيـآ على أحـد، وإثبـات هذه الملكية يحتـاج من المدعـي الى تحديد تخـوم هذا الظـل و هو أمر يبـدو بأنه سـيضيع  دونــه الكـثير، فالعربـة تسـير في اتجاهها و الشمـس الحارقة بـدأت تلسـع ظهـره وهـو يلهـث سـاعيآ للحـاق بهـا دون جـدوى.

 
 

26.08.2007

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…