ثورة أيلول مستمرة حتى الاستقلال

بهزاد قاسم 
 ارتبط شهر أيلول في التاريخ الحديث لحركة التحرر الوطني الكوردستاني ونضال شعب كوردستان من اجل الحرية بأكبر إنجازَين تاريخيين حددا الخطوط العريضة لتطور النضال الوطني الكوردستاني. 
فإذا كان 25 أيلول يوم الاستفتاء هو اليوم العظيم في تاريخ شعب كوردستان فإن 11 أيلول هو اليوم الأعظم. يوم فجر البارزاني الخالد ثورة شعب كوردستان مطالباً الحرية وحق تقرير المصير للشعب الكوردي، فبالإضافة الى عظمة الثورة جرى في ثورة أيلول أمور تاريخية لم يتكرر خلال تاريخ الشعب الكوردي، ولن يتكرر،
 فلأول مرة في التاريخ القديم والحديث لشعب كوردستان يتوحد الكورد وفي الأجزاء الاربعة من كوردستان خلف عظيم هذه الأمة البارزاني الخالد، وهذا الحدث بالذات كان بمثابة جرس الإنذار للدول المحتلة لكوردستان فبدأت بالتفكير في كيفية مواجهة الكورد، واجتمعت مؤسساتها الأمنية والعسكرية وقررت تشكيل تنظيمات وأحزاب من جسد الحركة الكوردية تقوم بمهام العمالة وتنفيذ أجنداتها ومواجهة ومقاومة اية محاولة لتطور وتقدم حركة تحرر شعب كوردستان.
المرة الاخرى التي توحد فيه شعب كوردستان في كل انحاء العالم كان في الاستفتاء العظيم الذي قاده الرئيس مسعود بارزاني في الخامس والعشرين من شهر ايلول عام 2017 ففي هذا الاستفتاء الشعبي العظيم الذي عبر ولأول مرة عن إرادة أكثر من ستين مليون كوردي في عموم  كوردستان والعالم في الحرية والاستقلال ووحد صفوف الشعب الكوردي في واحدة من أروع صور التضامن والتعبير السلمي الحضارية رغم كل الخلافات والاختلافات وحقق انتصارا تاريخيا من خلال تصويت 93% من المواطنين لصالح الحرية والاستقلال واستطاع إيصال رسالة شعب كوردستان السلمية للعالم اجمع.
للتاريخ، البارزانيون يقودون الحركة التحررية الكوردستانية منذ أكثر من مئة وخمسين عاماً ويناضلون من أجل بناء كيان ودولة قومية كوردية فالشيخ عبدالسلام البارزاني نجح أن يجمع العشائر الكوردية، ويقودها في بداية القرن العشرين، وأرسلوا وثيقة والتي يمكن اعتبارها اول وثيقة لحركة تحرر وطني كوردية الى الدولة العثمانية، من بعض مطالب الوثيقة ضرورة أن تكون اللغة الكوردية لغة رسمية للمدارس وفي الدوائر ومؤسسات الدولة في كوردستان وأن يكون موظفو الدولة من ابناء كوردستان، كما أن الشيخ عبدالسلام رفض ارسال أبناء العشائر الكوردية من أتباعه الى الجيش العثماني، وامتنع عن دفع الضرائب.
اعتبرت الدولة العثمانية الوثيقة والمطالب محاولة للانفصال فشنت الدولة العثمانية هجوماً على بارزان ، كما أن الشيخ  عبدالسلام هو أول من قام بتدويل القضية الكوردية، فأجرى اتصالات مكثفة مع القيصر الروسي والدولة الروسية لدعم الكورد من أجل انفصال كوردستان عن الدولة العثمانية وكان ذلك أحد الاسباب التي أدى الى صدور قرار إعدام الشيخ من قبل الدولة العثمانية و أعدم في الموصل . 
بعد استشهاد الشيخ عبدالسلام تولى الشيخ أحمد قيادة الحركة الكوردية وبسط نفوذه على المنطقة، فتوالت الانتفاضات والثورات في بارزان المطالبة باستقلال كوردستان، وبرز نجم القائد الاسطوري البارزاني مصطفى كقائد عسكري وسياسي فذ لحركة التحرر الكوردستانية و خاصةً في انتفاضة و ثورة بارزان 1935 الذي قاده الشيخ أحمد البارزاني المطالبة باستقلال كوردستان إلا أن القوات البريطانية أخمدت الثورة و تم نفي العائلة البارزانية الى جنوب العراق و منها الى السليمانية، في بداية الاربعينات استطاع البارزاني الخالد الهروب من منفاها والوصول الى بارزان والتحضير للثورة واشعالها من جديد واشعل الثورة من جديد عام 1945 واستطاع البارزاني محاصرة الفيالق الثلاثة للحكومة العراقية وكادت أن تستسلم إلا أن تدخل بعض العشائر المتعاملة مع الحكومة العراقية أدت الى فك الحصار مما اضطر البارزاني الانسحاب الى كوردستان ايران ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وبمساعدة القوة المنظمة البارزانية استطاع الكورد في شرق كوردستان اعلان جمهورية كوردستان في مهاباد و بدعم الاتحاد السوفيتي ، لم يدم طويلاً عمر الجمهورية الفتية لأن الاتحاد السوفييتي سحب جيشه، لم يستسلم البارزاني بل توجه مع اكثر من خمسمائة من مقاتليه الى الاتحاد السوفييتي. و بقي هناك لاكثر من عشرة أعوام .
عاد البارزاني الى كوردستان بدعوة من عبدالكريم قاسم بعد نجاح عبدالكريم قاسم 1958 الإطاحة بالملكية في العراق وتأسيس جمهورية العراق بدستور جديد اعتبر العراق شراكة للشعبين العربي والكوردي وكل هذا بفضل تضحيات البارزانيين، وكان من المؤمل أن تفتح الحكومة العراقية صفحة جديدة لحل القضية الكوردية إلا أن الحكومة العراقية تراجعت عن التزاماتها فاندلعت ثورة أيلول العظمى  في 11 ايلول 1961 وبعد تسع سنوات انتصرت الثورة  وحصل اتفاقية بين البارزاني والحكومة العراقية في 11 آذار 1970 سمي باتفاقية الحكم الذاتي و الذي يعتبر أول وثيقة دولية تعترف بها أحدى الدول المحتلة لكوردستان بحقوق الشعب الكوردي على ارضه التاريخية.
تراجُع الحكومة العراقية مرة اخرى عن التزاماتها في بنود اتفاقية الحكم الذاتي، فاندلعت الثورة من جديد الى أن حصلت مؤامرة دولية اتفقت ايران والعراق على خنق الثورة وبمساعدة الولايات المتحدة الامريكية في الجزائر عام 1975 تنازل بموجبها العراق عن شط العرب وعدم المطالبة بالأهواز وبمساحة تعادل مساحة كوردستان لإيران مقابل قطع الإمدادات عن الثورة.
فهدأت فوهات البنادق والمدافع قليلا إلا أن عجلة ثورات البارزانيين لم تتوقف فاندلعت ثورة گولان 1976 بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، وبقيت مستمرة الى أن انتفض شعب كوردستان عام 1991 وحصل الكورد على اقليم فدرالي معترف به عالمياً ومازال البارزاني مسعود والبارزانيون يقودون شعب كوردستان نحو الاستقلال، وكانت عملية اجراء الاستفتاء على الاستقلال في 25ايلول 2017 أكبر انجاز قومي في تاريخ كوردستان الحديث والقديم. ولكن مرة أخر تعثرت بسبب خيانات من طرف ثلة من النفوس الضعيفة وعملاء الدول المحتلة لكوردستان و تأجل موعد الاستقلال.
مازال البارزانيون يقودون دفة مركب الاستقلال، ويبدو أن الشاطىء بات قريباً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….

كفاح محمود   لم يكن سقوط نظام الرئيس صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 نهايةً فعليةً للدكتاتورية في العراق، بقدر ما كان انهيارًا لشخص النظام ورموزه الأكثر فجاجة، فيما بقيت في العمق ذهنيةُ الإقصاء والغلبة ومصادرة الدولة لصالح فئةٍ أو حزبٍ أو جماعة، وما جرى بعد ذلك لم يؤسس، كما كان مأمولًا، لدولة مواطنة حديثة تنقض إرث الاستبداد، بل…

شادي حاجي الحيرة التي يعيشها الشعب والأحزاب والنخب الثقافية والمجتمعية الكردية اليوم ليست حالة عابرة ، بل انعكاس لأزمة أعمق بكثير من مجرد غياب “ صيغة سياسية ” جامعة . فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص المؤتمرات والاجتماعات أو الوثائق ، بل في تراكم انعدام الثقة ، وتضارب المصالح الحزبية والشخصية والارتباطات الكردستانية والاقليمية ، وتباين الرؤى حول شكل حل…