وجوه قامشلي التي لم تكنْها «في زيارتي السنوية إليها صيف 2019 » – 16/13

 ابراهيم محمود  
16- بورتريهات وجوه  
13″-وجه فرزند درويش، بين الأرض واللوحة الفنية  
للأرض حضورٌ مكثَّف في حياته، كونه ينشغل بالزراعة كثيراً. تبقى الجملة ناقصة هنا، وهي التي تميّزه عن أغلب، وأكاد أقول، كل الذين يعملون في زراعة الأرض، بصفة ” مزارع “، وهي أنه مأخوذ بفن الرسم، ومن هذا الباب الذي يدفع بالمعني به إلى ما وراء المرئي في الأرض والذين تقدَّر حياتهم بالسنين والشهور والأيام، ليعيش في ذاته كيفية تصريف صلاته بما هو أرضيّ، تلوينات، تصبح ” أرض اللوحة ” متنفَّسَه، ودخوله في حياة من نوع آخر، وعبر هذا الباب الواسع، أبعد من كونه باباً، أمضي إليه وأسمّيه هنا الصديق الفنان فرزند درويش.
لعلها عقود من السنين، وهي التي تضمخت بعلاقات، وحكايات، وأحاديث تعدَّت مكتبه في شارع ” التجّار “، وأنا أجالسه، وثمة آخرون لهم موقع آخر لديه، وكان فيما يدار ويثار من أحاديث أمرٌ عجب أحياناً بالنسبة لي. أن يحادثهم في شئون الزراعة، وطبيعة الأرض، وأن ينتقل من جانب آخر إلى الحديث عما هو اجتماعي وسياسي كردي بألفه ويائه، إنما في ذات اللحظة، ومن خلال إشارة معينة، يحضر الفنّي، وصلة الرسم بما هو نفسي، بالمكان، وكيفية استنطاقه كردياً.
عبر هذا الباب المفتوح على مصراعيه يكون للصديق فرزند درويش بابٌ حياتي، وإطلالة على حياة لا أظن سواه بقادر على إقامة علاقة معها، أو طرق بابها، أو التحاور معها.
وحين آتي على ذكره، فلأنه يشغل ذهني وخاطري، من مستجدات قامشلي بالذات، وكيف يستمر في تنمية علاقاته بالأرض، دون أن يدير ظهره للوحته، مهما ضعُفت العلاقة هذه، وبالتالي يكون من الصعب علي أن أفكّر في هذه المدينة المسحوبة من ” أنفها ” كثيراً، أن أؤاسي نفسي، أن أهدّئها، أن أعيش هاجس السوق فيها، دون أن تمثُل صورته أمام ناظري.
فيما خطه هذا الصديق لنفسه يبقيه في مضمار عالم آخر، بهدوئه، تعبيره الدقيق عما هو معاش يومياً، وأشعر به، حيث يأتي دور اللوحة، وكيفية تعامله معها، كما لو أنه منجرح داخلياً، كما لو أن هناك شكوى عالقة في البرزخ الفاصل بين الشيء واللاشيء، شكوى بليغة تقول التالي: كيف يمكن للوحة أن تحضر إلى ساحة ملغومة، في ليل لا يعرَف ما إذا كان له من نهار، أو ما إذا نهاره يصله بمطلع ليله، واللوحة ككيان وجداني لا تدخل طوع إرادة التعبير اللوني، إلا حين تتوافر الأرضية التي تطمئنُها، تمنحها ” كلمة شرف ” من نوع آخر، لتكمل طقوس ولادتها.
الصديق فرزند، رغم قلة رسوماته، لكنها تعرَف بتمايزها، يعلِم الناظر في بنيانها، ما تعنيه القلة من اللوحات، وطابعها الرمزي بالنسبة إليه، وهو في شاغله الكردي، وقد أمضينا هذا الصيفية أكثر من وقت إضافي بهذا الصدد وأبعد، ومعنا الصديق الآخر لوند داليني.
أسمّيه في بيته، حيث بهو البيت يوسّع فضاء للوحات تحملها جدارنه.
هناك لوحة تمثّل زرادشت، ولوحة تمثّل القاضي محمد، وغيرهما. وإن كان هناك من فسحة أخرى في مقام الحلقة هذه، تضيء معلَمه الذوقي المغاير، فهي في توجيه النظر إلى لوحته التي تمثّل رأس كبش، وأخرى، رأس نسر. الكائنان حاضران بقوة في مجتمعنا. الأول أرضي، والآخر هوائي. الأول مجاور التراب، والثاني يحلّق في الفضاء، ناريّ الهوى .
 
يمكن تلمس طريقة إخراج القرنين، وما في ذلك من تحد للفراغ، ومن إبراز البياض الخاص للصوف الذي يصل راسه، كما لو أنه زبد بحري، موجي، أن يستقرىء قوة ما في عينيه، وتلك الدقة الإبرية في فرز الألوان، فلا يعود رأس الكبش عادياً، إنما ناطقاً بلسان رغبة لا تتأتى لأي كان، رغبة محلومة، ومهضومة، ويعيشها كل ناشد صحة من نوع خاص.
ولرأس النسر، ومنقاره ذلك المقام الموازي، حيث المنقار بدقته ومعقوفيته، والعين التي تحيل المكان الرحب إليه، وانتعاش الريش الذي يصل مشارف رأسه، ما يخرجه من طيريته، أي حين يصبح الرأس النسري هنا خروجاً من المكان نفسه، وتمكناً منه في آن، وما في هذا المنحى من احتجاج على الدائر أرضياً، كما لو أن لدينا كبشاً ” يطير ” ونسراً ” يسير “.
هل من غرابة إذاً، أن أسمّي فرزند غالب درويش صديقاً وفناناً وهو بعالمه الواسع المدى هذا؟
ملاحظة: ليس من علاقة بين لوحه رأس النسر ولوحة زرادشت، إنه صنيع الكاميرا فقط .
……… يتبع
14″- وجه لوند داليني، والرهان على ألم الخريف
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف   لم يتعرّض شعب في تاريخه الحديث إلى التهميش والإجحاف والظلم بقدر ما تعرض له الشعب الكوردي عموماً والكورد الأيزيديون خصوصًا. فعلى مدار تاريخهم الطويل المجبول بالدماء والإنكسارات والقهر، تعرض الأيزيديون إلى العشرات من جرائم القتل العمد والتصفيات الجسدية، وحملات الإبادة الجماعية، إبتداءً مما سمي بالفتوحات على أيدي الغزاة الإسلاميين الأوائل، ومروراً بالعصرين الأموي والعباسي وما بعدهما، واستمر…

أكرم محمد تشهد الساحة السياسية الكردية السورية حالياً واحداً من أعنف السجالات الفكرية والسياسية، المتمحورة حول شخصية الدكتور عبد الحكيم بشار، القيادي التاريخي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وأول رئيس للمجلس الوطني الكردي. فالباحث في مسيرته يراه سياسياً أمضى عقوداً في خندق المعارضة الراديكالية ومطالباً بالفيدرالية من عواصم الاغتراب الأوروبية والإقليمية، لينتهي به المطاف اليوم جالساً تحت قبة مجلس الشعب في…

لوند حسين* في رسالته الموجهة إلى الكونفرانس الثالث لاتحاد البحوث الإسلامية في ميزوبوتاميا «MÎA-FED» باسم مؤتمر(الإسلام الديمقراطي) الذي انعقد بقاعة علي أميري بمدينة آمد (دبار بكر) يوم السبت 20 حزيران/يونيو 2026، يطرح عبد الله أوجلان رؤية تعتبر أن الديمقراطية متجذرة في جوهر الإسلام، وأن وثيقة المدينة «يثرب» تمثل أحد أوائل النماذج الديمقراطية في التاريخ، وأن الانحراف بدأ مع قيام الدولة…

شـــــريف علي دخلت العلاقات بين إقليم كوردستان وسوريا منذ تشكيل السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع مرحلة إعادة تشكّل عميقة، انتقلت فيها من القطيعة والتوتر إلى انفتاح سياسي وتنسيق أمني وحوار كردي–سوري برعاية كوردستانية. سقوط النظام السابق في 8 كانون الاول 2024 فتح الباب أمام دمشق للبحث عن بوابات آمنة تعيد عبرها وصل ما انقطع، وكان الإقليم –…