المنطقة الأمنية التركية

قهرمان مرعي
حتى نقطع الجدل أو على الأقل التخفيف من حدته , بشأن تسمية المنطقة المُزمَع إنشائها وفق اتفاق تركيا وأمريكا الأخير المعلن في بداية آب/2019 في أنقرة  , لا بد من تبيان بعض الأمور التي لا تحتاج إلى توضيح زائد, كون الغاية من إنشاء تلك المنطقة هي التي تحدد مصيرها المحتوم , ومنعاً للالتباس الحاصل بين تسميتين متناقضتين : وهما المنطقة الأمنية والمنطقة الآمنة ….؟ فهما مفهومان متقاربان لفظاً ومختلفان مدلولاً .
المنطقة الآمنة : الغاية من إنشائها حماية السكان المدنيين من بطش الجيوش والمجموعات المسلحة , فثمة عرفاً دولياً لإنشاء مثل هذه المناطق وفق القانون الإنساني الدولي والمثال الأقرب , مثلما حدث في كوردستان العراق استناداً إلى قرار مجلس الأمن الدولي 688 لعام 1991 , تم تشكيل منطقة حظر طيران خط العرض /36 وبدء عملية (توفير الراحة ) لشعب كوردستان من قبل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة بالتعاون مع كثير من الدول من جملتها تركيا ( الرئيس الراحل تورغوت أوزال) .
المنطقة الأمنية : يختلف مفهومها باختلاف ظروف إنشائها من قبل دولة ما أو عدة دول .
 في حالتنا هذه فإن تركيا و بالاتفاق مع أمريكا صاحبة النفوذ القوي في غرب كوردستان وشرق الفرات , ستقيم منطقة أمنية خاصة بها كدولة غاصبة لكوردستان , سبق لها احتلال أجزاء أخرى ( منطقة عفرين ) , إضافة إلى ذلك يضاف إلى المفهوم الأمني مفهوم الحظر ( المنطقة المحظورة) , كأن حرباً قد نشبت بين طرفين أحدهما تركيا كدولة , لهذا فهي تصر على استبعاد الأسلحة والقوات ( قوات سوريا الديمقراطية) من تلك المنطقة على امتدادها وعمقها . حدث في الشرق الأوسط  سابقة من نوعها , بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف 1982 وحصار بيروت وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية وهي إنشاء منطقة أمنية في جنوب لبنان تحت السيطرة الأمنية لجيش الدفاع الإسرائيلي (تساهل) بالتعاون مع ميليشيا جيش لبنان الجنوبي (انطوان لحد ) .
الناحية الإدارية : لا شك إن تركيا التي ستقوم بإدارة المنطقة الأمنية ستلقي بظلالها على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للشعب الكوردي الذي يعاني  من الأمرَّين , سلطة النظام وسلطة ب.ي.د , منذ بداية عام 2012 , لذلك فإن أي تعاون مع تركيا من قبل السكان الكورد سيجابه من قبل أنصار منظومة ب.ك.ك بأشد التهم والمجابهة كما يحصل الآن في عفرين , حيث يعيث الجيش التركي المحتل ومرتزقته من الميليشيات التابعة له الفساد في الأرض والإجرام بحق الشعب الكوردي , بدعوى إنهم من مناصري حزب العمال الكوردستاني  وما يحصل من تغيير ديموغرافي للنواحي والأرياف والمدن في عفرين  هو حاصل واقعاً في الجزيرة وإذا كانت سلطة ب. ي. د. بإمكانها الاستفادة من حساسية الموقف بالنسبة لتعامل أحزاب الحركة السياسية أو الأشخاص أو الجماعات الكورد مع القوات الأمنية التركية فلن يكون بمقدورها أن تقف في وجه التعاون في المناطق ذات الغالبية العربية وخاصة من رأس العين إلى كوباني وصولاً إلى نهر الفرات ..؟.
 فالأمر معقَّد للغاية , حيث بإمكان المرء تصور المشهد الأمني والإداري في الجزيرة , 1ـ النظام بوجوده الأمني ومؤسساته وحزبه وميليشياته وعشائره إضافة إلى الوجود الروسي والايراني المخفي والاستخباراتي . 2ـ  إدارة ب.ي.د الذاتية بمختلف مكوناتها , قوات سوريا الديمقراطية من مختلف الميليشيات . 3ـ القوات الأمريكية . 4ـ الجيش التركي .
الإدعاءات التركية :
ـ إدعاءات تركيا حول حماية أمنها القومي وما يرافق تلك البروبوغندا من منع إنشاء كوريدور ( إرهابي ) على حدودها سواء في غرب أو شرق الفرات , تعبير حقيقي عن سياساتها العنصرية تجاه أي تطور يحصل للقضية الكوردية  في أي جزء من كوردستان بفعل المتغيرات المحلية أو الإقليمية أو الدولية , وإن وحدة الأراضي السورية والحفاظ على مؤسسات الدولة وشكل حكمها جزء من أهدافها الاستراتيجية الغير قابلة للتبدل زمنياً ومكانياً ويسري الأمر فيما يخص جميع الدول الملحقة بها جغرافية كوردستان .
ـ كل المعطيات تدل بأن أمريكا رضخت للتهديدات التركية باجتياح غرب كوردستان / الجزيرة ( شرق الفرات ) أو إنها بصدد امتصاص الصدمة من حليفتها الأطلسية التقليدية ,بسبب تحشد جيشها ومرتزقتها على الحدود , ولإدراك الإدارة الأمريكية بان الرئيس التركي لديه الكثير من الإخفاقات السياسية الداخلية والاقتصادية ناهيك عن العلاقات المتوترة إقليمياً و دولياً والنأي بالنفس من خلال الدبلوماسية من الوقوع في شرك اختبار ردود الفعل , الذي قد يحصل بسبب حماقات الحاكم الشرقي المتعجرف عندما ينفرد بالحكم بالتدخل في منطقة نفوذ دولة كبرى , لم يزل الإرهاب ينتعش  فيها بفعل حاضنته التي تتلقفها أعتى أجهزة المخابرات في مسعى محموم من كل الأطراف المتصارعة في سوريا للاستحواذ على هذه المنطقة الغنية بمواردها ولسهولة إشعال جذوة الصراع بين مكوناتها الإثنية والدينية .
 
ـ  وضع تركيا وتدخلها في سوريا منذ البداية سواء في جرابلس وإعزاز أو عند احتلال عفرين وكذلك نقاط المراقبة في ادلب لا تحتمل كل هذه التناقضات سواء في علاقتها مع روسيا وإيران ومن خلفهم النظام وفق اتفاقات (أستانا) من جانب والتعاون مع أمريكا من جانب آخر, وما يدور في محافظة ادلب وريف حماة من حرب ودمار منذ شهرين , قد  يزعزع الثقة وصفقات تبادل المنفعة بين الأطراف مجتمعة والتي هي أصلاً مفقودة , في حين الصراع الروسي الأمريكي دفع بالروس مؤخراً إلى مشاركة تركيا في دورياتها في (تل رفعت)  في ريف حلب وبالقرب من مطار (منغ) العسكري حيث يتواجد قوات النظام  وهو جزء من رغبة تركيا بإبعاد (ي.ب.ك) من تلك المنطقة .
ـ المنطقة الأمنية التي تفرضها تركيا على الجغرافية السياسية السورية , ستكون خاضعة لسلطها العسكرية ولقوانين جيشها حسب مساحة انتشاره طولاً وعرضاً مقياساً مع غرب الفرات ولن يكون هناك اكتفاء  بالدوريات أو المراقبة الجوية فقط , لأنها الآن تقوم بتلك المهام ومنذ بدء الأزمة السورية . ولها سوابق في تقسيم قبرص/ 1974 والتواجد في إقليم كوردستان وسهل الموصل/ 1991 ولديها قواعد عسكرية في كل من قطر والصومال ولها تواجد عسكري علني في الحرب الليبية  , إضافة إلى مشاركتها لقوات التحالف الامريكي في أفغانستان/ 2003 , فهل تركيا الدولة الإشكالية مقبلة مثل غيرها على تغيرات داخلية قد تهز أركان الدولة القومية العنصرية , بعد تقليص النفوذ الإيراني الجيوسياسي , كما هو حال المتغيرات التي تعصف بكل دول الإقليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .
في 17.08.2019  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…