فوق التصعيد ودون الحرب

رودوس خليل
منذ ما يقارب 40 عاماً والولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية تخوضان حرباً باردة فهذه هي الشيطان الأكبر وتلك دولة مارقة والمستفيد الأكبر من هذا هي إيران التي وظفت الأمر جيداً في إزكاء نظرية العداء للولايات المتحدة وحلفائها وغسل أدمغة الشعب الإيراني وتذكيره له بالمظلومية التي لحقت بالشيعة حسب اعتقادهم كل هذا بمعرفة وتحت عين الولايات المتحدة التي تلاحظ تمدد إيران وتحرشها بحلفائها المفترضين.
فهل الولايات المتحدة الأمريكية جادة في التصعيد مع إيران والذهاب إلى حرب معها ؟
للإجابة على هذا السؤال: (كان هناك رجل يمارس مهنة المحاماة منذ سنين وعندما تقاعد سلم مكتبه لابنه الذي تخرج حديثاً من كلية الحقوق كان شاباً جيداً يحب العمل وذات يوم جاء فرحاً إلى والده وهو يركض: لقد فزت بتلك الدعوة التي فشلت في كسبها مراراً فصمت الأب قليلاً وبدت علامات الحزن على وجهه ثم قال: أيها الأحمق هل تعتقد أنك ذكي جداً وأنا العاجز عن كسب تلك القضية لقد حرقت بيدراً كنا نأكل منه الخبز منذ زمن بعيد)
الكثير يعتقد أن الحرب ستندلع بين إيران والولايات المتحدة بعد سلسلة الإجراءات الأمريكية بإلغاء الاتفاق النووي وإدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب الأمريكية وإحكام الحصار والعقوبات عليها وتعزيز الوجود العسكري في الخليج بمزيد من القوات والتي رافقتها الكثير من التصريحات النارية من الجانب الآخر ولكن أقول أنها ليست كافية لاندلاع الحرب فالتلويح بالحرب حكاية والذهاب إليها حكاية ثانية ولكن هذا لا يعني أن احتمالات الحرب معدومة فالحرب ستقع في حالة واحدة سأذكرها في نهاية المقال.
تشير أحدث استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة إلى ارتفاع نسبة الأمريكيين المؤيدين لترامب منذ وصوله للبيت الأبيض من 48% إلى 52% ولكن هذا على الصعيد الداخلي ولا يكفي للظفر بولاية ثانية كون هذه الإدارة تفتقر إلى انجاز سياسي خارجي وذلك بعد إلغاء إعلان صفقة القرن حول القضية الفلسطينية بسبب التغيرات التي حصلت في إسرائيل والدعوى إلى انتخابات برلمانية مبكرة لذلك فكل هذا التصعيد حول إيران الهدف منها جرها إلى التفاوض ضعيفة وتحسين البنود لصالح الولايات المتحدة حول اتفاق نووي جديد.
المشكلة في إيران أنها ما زالت تتعامل مع الولايات المتحدة بعقلية الثورة وتتذكر إذلال الدبلوماسيين الأمريكيين واحتجازهم كرهائن 444 يوماً في السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 بشيء من الغرور والقوة وهي تعتقد بأنها تستطيع ألحاق الضرر بالقوات الأمريكية وأفشال مخططاتها عن طريق أذرعها المنتشرة في المنطقة والمتمثلة بالحشد الشعبي في العراق وحزب الله اللبناني وصواريخه ولإيران تجارب وأيادي في العديد من الأحداث التي عصفت بالمطقة كتفجير قاعدة المارينز في بيروت في العام 1983 إلى الاعتداء على السفن التجارية قبالة ميناء الفجيرة قبل عدة أيام فالكثير من المواجهات بين البلدين في الأربعين سنة الماضية سواء أكانت دبلوماسية أو عسكرية كادت أن تصل إلى حافات الهاوية لولا الحرص الشديد على حماية توازي المصالح بين البلدين في المنطقة .
أعتقد أن لم تتصرف إيران بحكمة أمام هذه الإدارة الأمريكية المختلفة عن الإدارات السابقة فستعيش أيام صعبة في ظل حزمة العقوبات الحالية القاسية والحشد العسكري الكبير في مياه الخليج ووجود دول عربية كسرت حاجز الخوف بينها وبين إيران وتصدت للنفوذ الإيراني في المنطقة كعاصفة الحزم السعودية في اليمن ضد الحوثيين الزراع الإيرانية في الخليج.
الرئيس دونالد ترامب يدعو إلى الحوار من جهة ويقوم بتعزيز القوات حول الجمهورية الإسلامية من جهة أخرة وأن الهدف واضح كما يقول وهو تحول إيران إلى دولة طبيعية تقبل بالشروط ال 12 التي أعلنها بومبيو وزير الخارجية الأمريكي.
كما قلت في البداية الهدف هو أجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات ولكن لا يخلو الأمر من خطورة شديدة فالعديد من الأحداث والحروب التاريخية التي اندلعت كانت عن طريق الصدفة.
فليس من المستبعد قيام مجموعة من الجنود الإيرانيين الخارجين عن السرب بقصف تجمع للقوات الأمريكية عندها ستندلع الحرب وستنتهي إيران الرسمية كما يقول ترامب
فاليوم هناك الكثير من القدور المغلية التي وضعت تحت نار هادئة في الخليج فمن سيلقى فيها يا ترى؟
وللتذكير كانت هناك عادة سيئة للشاه إسماعيل الصفوي حيث كان يقوم بإلقاء الأسرى والمعارضين في قدور مغلية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…