أسئلة ما بعد هزيمة داعش في معقله الأخير

حسين جلبي
على غير المتوقع، أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” عن هزيمة تنظيم داعش دون ضجيج. فقد أقامت تلك القوة المتعاونة مع التحالف الدولي لمحاربة داعش، حفلاً خطابياً هادئاً بعيداً عن ساحة المعركة الأخيرة في الباغوز، وذلك في مكانٍ مغلقٍ نظيف لا تظهر فيه آثار معارك. لم يظهر حزب الاتحاد الديمقراطي فرحه المعتاد ولا نبرة التحدي المعروفة عنه، مقارنةً مع ما كان يفعله خلال مهرجانات مماثلة؛ أقامها في مناسبات أقل أهميةً، كما لم يعقد الحزب حلقات الدبكة أو يأخذ الصور التذكارية الحاشدة، وغابت عن حفله هذه المرة صور زعيم حزب العمال الكُردستاني عبدالله اوجلان، إلا أن الفرقة الموسيقية عزفت النشيد القومي الكُردي؛ الذي بالكاد يلتفت إليه أنصار الحزب، الأمر الذي زاد من غرائبية المشهد.
وعلى عكس ما يقال، من إن: “للنصر ألف أب والهزيمة يتيمة”، فقد ظهر النصر المعلن على داعش باهتاً فاقداً للهوية، درجة كاد معها المنتصرون أن ينكروا هويتهم، وقد تجاهلوا بالفعل تسمية من تحقق النصر بدمائهم، كما أنهم قاموا بتوجيه التهنئة للجميع، حتى لمن هو غير معني بالقتال الذي يخوضونه. أبعد من ذلك، تعامل المهتمون بالوضع في سوريا مع نهاية داعش، الذي أذاق السكان في مناطق تواجده الويلات، وكأنه حدث عادي أو تحصيل حاصل، أو حلقة أخيرة معروفة التفاصيل، في مسلسل يعرض منذ مدة طويلة، وقد أصاب الملل فريق العرض ومشاهديه، فقرر الأول وضع نهاية له حتى لا ينصرف عنه من تبقي لمتابعته، في معركة توقفت عن إثارة الاهتمام منذ أمدٍ طويل، اللهم إلا لمن لا يزال يأمل في ظهور أقاربه المختطفين لدى التنظيم أحياءً.
لعل السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا، على خلفية الإعلان عن نهاية تنظيم داعش هو: أين يمكن لقوات سوريا الديمقراطية، وهي الجهة التي أعلنت النصر على التنظيم، أن تصرف نصرها الذي تقول بأنها حققته؟. الواقع هو أن إعلان “قسد” عن نهاية داعش، تضمن رسالة وجهتها إلى نظام الأسد، مفادها ضرورة محاورة “الإدارة الذاتية” المعلنة من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي والإعتراف بها، لكن هذه الدعوة عندما تأتي على خلفية هزيمة داعش، تبدو مفتقرة إلى المنطق، ذلك أننا إذا أخذنا بظاهر الأمور، نجد بأن نظام الأسد لم يكلف حزب الاتحاد الديمقراطي بمحاربة داعش، حتى يأتي الحزب اليوم ويطلب منه ثمناً لإنجاز المهمة، كما أن التنظيم ـ ودائماً حسب ظاهر الأمور ـ ليس جزءاً من منظومة النظام أو محسوبٌ عليه، حتى تكون هزيمته هزيمةً للنظام، تؤدي بالتالي إلى الحصول على تنازلات منه. المطلوب إذاً من قوات سوريا الديمقراطية والحال كذلك، الذهاب إلى من كلفها بمحاربة داعش، والتضحية بأرواح آلاف الشبان الكُرد خلال سنوات، للحصول على تعويضات تعادل تلك الخسائر الفادحة، لكنها بالتأكيد لن تجد محاوراً، فقد تطوع القائمون على تلك القوات من تلقاء ذاتهم ـ كما أعلنوا ـ لمحاربة داعش، قائلين بأنهم إنما يفعلون ذلك نيابة عن العالم فحسب، وبما أن العالم لم ينبهم للقتال عنه، فيبقون لذلك وحدهم مع نصرهم اليتيم، في وضعٍ لا يسمح لهم لوحدهم، بإحداث تغييرات على الأرض.
الواقع هو أن هزيمة تنظيم داعش لم تمنح حزب الاتحاد الديمقراطي أوراق قوة، بل جردته من أحد أهم أسباب الاستمرار، فالحزب الذي استخدمته قوات التحالف الدولي في محاربة داعش منذ معركة كوباني، واستثمر من جهته عملية استخدامه جيداً للتضخم والتوسع، خاصةً بعد أن وجدت فيه قوى محلية وإقليمية ودولية وسيلةً تعتمد عليها، يجد نفسه اليوم بعد الإعلان عن نهاية التنظيم شبه عاطل عن العمل، بعد أن أدارت له كل تلك القوى ظهرها، وتحاصره أكثر من أي وقت مضى أسئلة المشروعية، على خلفية المغامرة بمصير الكُرد والتضحية بأبنائهم، خاصةً بعد أن عجز عن نسج علاقات سياسية؛ تعادل منطقة النفوذ المسجلة باسمه وحجم الخدمات التي قدمها، بسبب وقوفه طوال الوقت على رمال أمريكية متحركة، كادت أن تبتلعه مؤخراً وتقذفه إلى حيث يتواجد النظام، وما قيام أوساطه بالترويج لفرار بقايا تنظيم داعش إلى إدلب، إلا محاولة يائسة للهروب إلى الأمام من الاستحقاق الذي يلاحقه، من خلال العمل على فتح جبهة جديدة ضد الفصائل المتواجدة هناك، وهي المهمة التي طالما تحمس لها وأرادها، لكن حسابات إقليمية ودولية حالت دون تحقيق رغبته تلك.
لقد تماهى حزب الاتحاد الديمقراطي طوال السنوات الماضية في أجندات قوة أُخرى، وقد حقق لها ما أرادته، لكنه قام بتسويق ذلك في أوساطه على أنها كانت أهدافه، وهاهي أجندات تلك القوى، وآخرها أمريكا تكاد تصبح في حكم المنجز في سوريا، الأمر الذي لا يبقي للحزب سوى بعض الشعارات، مثل تحرير عفرين، والتي يعجز في الواقع عن تحقيقها. وبما أن أي تحرك عسكري كبير في سوريا، بحجم خوض معركة في إدلب أو في عفرين أصبح خارج إرادة القوى المحلية، لذلك لا يبقى لقوات سوريا الديمقراطية سوى اجترار شعاراتها، مع الإستمرار في عزف النشيد القومي الكُردي، الذي لا تلجأ إليه إلا في الشدائد، علها تحافظ بذلك على نفسها من الإنهيار، ولا ينفض من حولها من لا يزال مؤمناً بشعاراتها الغامضة، في الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب.
* موقع تلفزيون سوريا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

آزاد خليل * بعد أسبوعين من اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدأت ملامح الصراع تتضح، لكن نهايته ما زالت مفتوحة على احتمالات عديدة. ففي خضم العمليات العسكرية المتصاعدة، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن النظام الإيراني «سيسقط في نهاية المطاف، لكنه ربما لا يسقط فوراً»، في إشارة إلى أن المعركة الحالية قد تكون…

صلاح بدرالدين في ذكرى يوم مولده في ١٤ آذار ( ١٩٠٣ – ١٩٧٩ ) أعلن مايلي للأجيال القادمة: 1- التقيت بالزعيم الراحل بمرحلتي الثورة عام 1967 ، والحكم الذاتي لعام 1970 ، وقضيت بقربه اياما وشهورا. 2- كان لي الشرف ببناء العلاقة الاولى مع سيادته بعد كونفراس الخامس من آب 1965 وانبثاق اليسار ، ووضعه بصورة ما يجري ببلادنا سوريا…

التقى وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا بالسيدة Chloé Ridel“ممثلة الحزب الاشتراكي الفرنسي في البرلمان الأوروبي ،مسؤولة عن ملف السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ضمن لجنة الشؤون الخارجية (AFET)، وعضو في اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان (DROI) والمسؤولة عن قسم الإغاثة في الاتحاد الأوروبي . وضم الوفد كلًا من عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا، ومحمد أمين عمر…

نورالدين عمر وفق رؤية الدكتور عبد الحكيم بشار، يبدو أن كل من سقط من الفصائل السورية بمختلف مسمياتها هم “شهداء” بذريعة مقارعة النظام، باستثناء شهداء الكرد الذين أُخرجوا من دائرة الخدمة للقضية الكردية. وهنا نجد أنفسنا أمام مفارقة صادمة؛ فهل يعقل أن يمنح لقب الشهادة لمن قتل في نزاعات الفصائل الداخلية، أو في معارك النهب والسلب ضد المدنيين الكرد، أو…