غسيل الأموال في إيران حرفة العصابات الحاكمة

هدى مرشدي*
بشكل عام فإن عمليات غسيل الأموال تتم عندما يريد “مقدم الطلب” الأساسي أن يبقي على مصدر المال الحقيقي غير معلوم ولايبقى أي أثر خيط يدل عليه. وغسيل الأموال في الأساس هو جريمة فرعية ولإضاعة وإخفاء المردود الذي تم الحصول عليه من الجرم الأول الأساسي. 
والذين يقومون بعمليات غسيل الأموال اغلبهم يكونون قد حصلوا على هذه الإيرادات من خلال تهريب المخدرات والاختلاس والرشوة وبقية الطرق غير القانونية الأخرى ويسعون من خلال هذه العلميات إضاعة وإخفاء أي سبيل يؤدي لمعرفة تلك الثروات.
مؤسسة باسيل السويسرية أصدرت مؤخرا إجصائيات حول مخاطر ومؤشرات غسيل الأموال في البلدان المختلفة ووفقا لهذه الإحصائيات فقد احتلت إيران المرتبة الأولى عالميا لعدة سنوات.
وقد تم إمهال الحكومة الإيرانية حتى نهاية شهر فبراير العام القادم من أجل مراعاة تعليمات وقوانين مجموعة العمل المالية الخاصة وفي حال خلاف ذلك سيتم إدراج إيران على القائمة السوداء لهذه المؤسسة الدولية  لمكافحة عمليات غسيل الأموال. والنظام الإيراني كان يسعى بأي شكل ممكن للموافقة على اللوائح الاربعة المقدمة من قبل FATF ولكن بعد الموافقة على هذه اللوائح في البرلمان الإيراني اصطدمت برفض مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام. 
إن وضع إيران على تلك اللائحة السوداء فإنه يصعب على إيران كثيرا مواضيع مثل الاستثمار والتعامل التجاري وعقود نقل المال وامكانية التعاون الخاص مع بنوك هذه الدول. وكما أن عدم مراعاة مقررات وقوانين مجموعة العمل المالية الخاصة يضع ألية العمل المالية الخاصة للاتحاد الأوروبي والمحافظة على الاتفاق النووي بمنحى الخطر.
من أين بدأت المعارك؟ 
الصراعات والمعارك منذ أن أشار وزير خارجية النظام الإيراني ضمنيا إلى قسم من المعارضات والخلافات حول اللوائح الاربعة التي قدمتها الحكومة وقال إن هذه المعارضات ناجمة عن الدعيات والترويجات التي يقوم بها أشخاص متنفعون من استمرار غسيل الأموال. وفي أعقاب هذه التصريحات انتقد النواب المتشددون في البرلمان الإيراني ورئيس السلطة العسكرية والمتحدث باسمها وزير الخارجية جواد ظريف وبعد فترة وجيزة أقدم عدد من نواب البرلمان لجمع التوقيعات من أجل عقد جلسة لاستجواب ظريف.
وبعد ذلك هرع وزير الخارجية الإيراني لجمع الأدلة وإعداد الوثائق وفي الحقيقة فإن تصريحات ظريف حول حقيقة غسيل الأموال في إيران كان لها ردات فعل قوية من قبل المحافظين في إيران.
لقد توسعت أبعاد هذا الفساد المنظم من قبل الحكومة بسبب مجموعة من الضغوط الداخلية والخارجية حتى وصل الأمر بظريف ليقول في ١٢ نوفمبر ٢٠١٨: “في النهاية فإن غسيل الأموال هو حقيقة في بلدنا وهناك الكثيرون ممن يستفيدون من غسيل الأموال. أنا لا أريد أن ألقى تهمة غسيل الأموال هنا وهناك أو أنسبها لطرف ما ولكن حيثما يتم غسيل مليارات الدولارت فحتما هناك أشخاص قادرون ماديا على صرف عشرات ومئات ملايين الدولارات من أجل عمليات الترويج والدعاية” 
والآن اليوم…
فإن تصريحات ظريف اليوم حول غسيل الأموال قد صعدت من صراعات عملاء النظام إلى مستوى أعلى. فعلى سبيل المثال هناك مجموعة من البرلمانيين المحافظين يقومون الآن بجمع التوقيعات من أجل استجواب ظريف فهم يقولون بأن على ظريف تقديم إثباتاته حول عمليات غسيل الأموال لأن كلامه مثل الذي يصب الماء في طاحونة العدو ويساعدها على الدوران.
نائب رئيس برلمان الملالي مسعود بزشكيان تحدث حول هذا الموضوع قائلا: “لا يمكن القول أن الحكومة مقصرة فقط بل البرلمان والسلطة القضائية أيضا”.
وفي النهاية يظهر الدجال روحاني في ٢١ نوفمبر ليدعم بشكل ضمني في اجتماع مجلس الوزارء تصريحات ظريف واعتبر أن عمليات غسيل الأموال في البلاد أمر واقع وتظاهر بأن هذه الظاهرة موجودة في بلاد أخرى أيضا وليتسائل لماذا يجب أن نتناقش بكل موضوع بشكل علني وفي حركة مخادعة منه للهروب للأمام قال: “أظهروا لي أن هناك دولة في العالم لا يوجد فيها فساد وغسيل أموال”. 
فأجنحة النظام من جهة تقوم بشكل دائم باتهام بعضها بالارتباط بالعدو ومن جهة أخرى تقوم بفضح بعضها الآخر من خلال فتح قوائم وملفات غسيل الأموال. ولكن في النهاية إلى أين ستصل هذه المعارك والصراعات وهل لدى اي أحد شك إلى أين سترتد عمليات الكشف عن كل ملف من ملفات غسيل الأموال؟
رأس الفتنه
رأس الفتنه هو بيت خامنئي الذي يمر في مرحلة حرجة. لأنه في نفس الوقت الذي لا يريد في أن يقع في الفخاخ الدولية فهو مجبور على الموافقة على إقرار انضمام لمعاهدة مكافحة غسيل الأموال. 
وعلى أي حال فإنه موقف صعب ومكلف جدا وظهور الولي الفقيه للساحة يعني احتساء كأس السم مرة أخرى فيما يتعلق بسياسات نظام الملالي المخربة في المنطقة. وفي هذا الصدد فإن قطع الشريان المالي لقوات القدس الإرهابية وحزب الشيطان وبقية المجموعات الإرهابية الأخرى المرتبطة بالولي الفقيه هو عمل تم اتخاذه من قبل المؤسسات المالية الدولية ووزارة الخزانة الأمريكية على خط العقوبات النفطية المطبقة ضد هذا النظام وحبال العقوبات تشتد حول رقبة هذا النظام كل يوم أكثر فأكثر. 
وهذه هي الأزمة والمأزق الذي لا يملك فيه نظام الملالي سبيلا للخروج منه واليوم يمكننا رؤيته وسماع انعكاسات ذلك بوضوح من خلال صراخ وصيحات الشعب والعمال المحرومين في الشوارع.
هؤلاء العمال المحرومون الذي لم يتلقوا منذ ستة أشهر حقوقهم وراتبهم المتأخرة الضئيلة التي لا تكفيهم لسد رمق عيشهم يصرخون الآن في الشوارع وينادون بشعار: “لو قل اختلاسكم قليلا سوف تحل كل مشاكلنا”. وهذه هي حقيقة هذا النظام المختلس والفاسد الحاكم في إيران الذي عقدت المقاومة والشعب الإيراني العزم على إسقاطه مهما كلف الثمن وهذه الإرادة سوف تتحقق على يد معاقل الانتفاضة والعصيان التي تحظى بدعم الشعب الإيراني كله.
*كاتبة ايرانية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…